حوار مع الباحث الفرنسي باتريك ميشيل
القاهرة- حسام تمام
باتريك ميشيل
من الجدل العنيف حول قانون حظر الحجاب في فرنسا، إلى التأثير الديني غير المسبوق في الانتخابات الأمريكية، كان الحضور الديني في الفضاء العام وتداعياته السياسية لافتا، بل أبرز التغيرات التي طرأت على عالمٍ كان قد قطع رحلته نحو الحداثة، معتقدا أنه نجح في حصر الدين في مجالاته الخاصة والشخصية. ثم جاء التصاعد المستمر للدين في الفضاء العام ليطرح إشكالات عدة:
فماذا تعني عودة الدين بقوة إلى الفضاء العام؟
وهل يدفعنا ذلك إلى إعادة النظر في مقولة سيادة العلمنة؟
وهل كان الحضور الديني على حساب العلمانية؟ أم وفق منطقها بحيث صار يؤدي إلى علمنة الدين؟
وهل لهذا الحضور الديني علاقة بانهيار الأيدلوجيات ونهاية الروايات الكبرى للعالم؟
وكيف يعيد ذلك تشكل الشأن الديني وقضية الإيمان؟
طرحنا هذه الإشكالات على الباحث الفرنسي باتريك ميشيل pat r rick michel الأستاذ بمعهد الدراسات السياسية ومعهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، والذي عرف باشتغاله على قضايا الدين والحداثة والسياسة.
وإضافة لكتابه الأشهر: الدين والسياسة - التحول العظيم ( 1994) صدر لباتريك ميشيل أكثر من عشرة كتب تعالج هذه القضايا من أهمها: الكنيسة في بولندا ومستقبل الوطن (1981) ، السياسة والدين في أوربا الشرقية (1985) ، الأديان في أوربا الشرقية (1992) ، كل الطرق لا تؤدي إلى روما: التحولات المعاصرة للكاثوليكية (1995) ، الدين والديمقراطية: قضايا ورؤى وإشكالات جديدة (1997) ، الدين في المتحف (1997) ، إضافة إلى عدة كتب أخرى عن الدين والسياسة في أوربا الشرقية قبل وبعد انهيار الشيوعية. التقيناه في القاهرة، فكان هذا الحوار الذي إذا كان لنا أن نلخصه في جملة فهي: أنه استطاع أن يضع الظاهرة الدينية في قلب حركة الحداثة، وليس باعتبارها رد فعل عليها على عكس ما شاع من قبل.
استمرارية العلمانية
ماذا تعني استمرارية العلمنة؟
عودة الدين.. وبأي معنى؟
الدين ومسألة الهوية
الدين في ظل السيولة والتنقلات
استمرارية العلمانية
* مع التغيرات التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الأخيرة، وأبرزها تعاظم دور الدين في السياسة العالمية -كما في النموذج الأمريكي- عاد إلى المشهد من جديد الجدل حول الدين والعلمانية ومستقبل العلاقة بينهما، ولاحظنا ظهور مدرستين متناقضتين، الأولى تتحدث عما يسمى بنهاية العلمانية فتذهب إلى عكس ما كانت تبشر به الكتابات والنظريات التي كانت تؤكد على أن العلم وتقدمه سيكون على حساب الدين، ويذهب أصحاب هذه المدرسة -ومعظمهم أمريكيون وأبرزهم عالم الاجتماع جون فول- إلى أن الواقع يقول إن الدين يزداد حضوره باطراد في الفضاء العام؛ بما يحتم إعادة النظر في دعوى غلبة العلمانية. بينما يذهب أصحاب المدرسة المعاكسة -ومعظمهم فرنسيون- إلى تأكيد انتصار العلمانية، وأنه وإن كان حضور الدين في تعاظم فإن هذا الحضور لن يخل بالعلمانية، بل إنه يؤكدها يوما بعد يوم؛ لأنه يتم في إطار علماني وعلى أرضية علمانية ستنتهي إلى علمنة الدين نفسه على نحو ما يرى أوليفييه روا ومارسيل جوشيه.. فكيف ترى هذا الجدل وإلى أي اتجاه تميل؟
-نحن نعتمد بشكل كبير على التنظير الأمريكي، وبالذات ما كتبه"بيتر بيرجر"و"هارفي كوكس"الأبوان الروحيان لمقولة سيادة العلمانية، وكانا قد كتبا عن"المدينة العلمانية"ثم عادا واعترفا بعد ذلك بأنهما أخطئا فكتب"بيرجر"يقول:"إن العالم ما يزال متدينا"، بل صارت الصيحة الجديدة هي"الخروج من العلمانية"، ونما تيار مضاد لمقولة سيادة العلمنة، ونلاحظ أننا فيما مضى كنا نتحدث عن الاستثناء الأمريكي، بمعنى أن هناك بلدا- الولايات المتحدة- سيظل متدينا في عالم تغلب عليه العلمانية، بينما العكس يحدث الآن؛ فصار الاستثناء الأوربي العلماني هو الذي يعيش في وسط الأغلبية المتدينة. بعد أن اكتسح التيار المضاد للعلمنة العالم حتى صارت أوربا آخر بؤر العلمانية فيه.
وما أتصوره هو أن هناك استمرارا للعلمانية، وأنه لا يوجد ارتداد عن العلمانية للدين ولا يوجد"ثأر الله" (بتعبير جيل كيبيل) ؛ وإنما هناك ظهور جديد للدين، وتصبح القضية هنا كيف نفسر هذا الوجود الديني المتعاظم والمؤثر بشكل كبير في فضاء السياسة والاجتماع الإنساني، وهنا لا يصلح الدين بمفرده للتفسير، وإنما لكي نفهم عودة الدين لا بد أن نعتبره مدخلا لفهم الظواهر الأخرى المحيطة به والمتراكبة معه.
وأنا أعتقد -كما سبق- في استمرارية العلمانية باعتبارها تقليص سلطةِ أو تأثير المؤسسات الدينية على الفرد وعلى رؤية المجتمع الكبرى وعالمه الرمزي، وأنا لا أتحدث هنا عن الدين كمفهوم، وإنما عن الدين كإمكانات للدرس والتوصيف.
ماذا تعني استمرارية العلمنة؟
وإذا ما طرحنا السؤال عن ماذا يعني استمرارية العلمنة سنلاحظ وجود ثلاث ديناميكيات رئيسية: