فهرس الكتاب

الصفحة 8276 من 27364

وهم الدّراسات المستقبليّة!

أحمد فهمي 9/11/1425

يطرح هذا المقال إشكالية الدراسات المستقبلية، التي تحولت إلى ما يشبه"موضة"فكرية، تُؤلف من أجلها الكتب، وتُدبّج المقالات، وتُعقد المؤتمرات، والمثير في الأمر أن أغلب هذه الأطروحات تتحدث عن أهمية الدراسات المستقبلية وجدواها وآليتها دون أن تقدم بالفعل نموذجاً عملياً مستقلاً لدراسة مستقبلية جديرة بالتقدير، فهل نحن بحاجة إلى دراسات مستقبلية؟

إن الإغراق في الحديث عن الدراسات المستقبلية يُفسّر في جانب كبير منه على أنه عملية هروب"أنيقة"من الواقع بتعقيداته ومشكلاته صعبة الحصر والبحث والتحليل والتصريح إلى آفاق المستقبل التي لا حدود لها ولا قيود عليها، وهذا المسلك في الحقيقة يقترن به عدد من السلبيات التي من أبرزها:

أولاً: كثير من المهتمين بالدراسات المستقبلية يتعاملون معها باعتبارها قدرة على التخيّل أو التخمين أو إعادة ترتيب المفردات والمتغيرات التي يتمّ تناولها في الواقع بعد إضافة عنصر الزمن، وحسب معامل واقعي يتم تحديده غالباً بصورة انهزامية تعكس الرؤى الغربية، وتهمل شأن العامل الذاتي الذي ينبغي إدراجه في مثل هذه الدراسات المستقبلية.

ونوضح ذلك بمثال ما يتعلق بالمنطقة العربية حيث يكثر الحديث عن تقسيم الدول وتفكيكها وعن مشروع الشرق الأوسط الكبير والإسلام البديل، وهذه كلها رؤى مستقبلية أمريكية المنشأ، وكل ما يفعله أغلب الباحثين العرب هو إعادة إنتاج هذه المدخلات بعد إضافة عنصر الزمن الذي يفترض أن الإدارة الأمريكية ستنجح في تنفيذ أغلب مخططاتها للمنطقة - العالم العربي عام 2020 أو 2025 أو 2050م الخ - ولذلك تصبح الأطروحات المستقبلية العربية في جانب كبير منها مجرد نماذج تطبيقية افتراضية للمشروعات الأمريكية تفتقر للاستقلالية وتؤيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة نظريات مفكرين أمريكيين مثل:صمويل هينتنجتون أو فرانسيس فوكوياما حول صراع الحضارات، ونهاية التاريخ، وهذا يعتبر اختراق أمريكي كبير للفكر السياسي العربي والإسلامي، وتكمن خطورة هذا الاختراق في حال استمراريته أنه في مرحلة ما من الزمن القادم سوف تكون العقلية العربية خاضعة تماماً للهيمنة الفكرية الأمريكية، عندها يصبح الماضي والواقع والمستقبل يحمل صبغة العم سام.

ولا يعني ذلك أننا لسنا بحاجة إلى هذه النوعية من الدراسات، بل نحن نفتقر إليها، لكن ينبغي الحرص على أن تكون الرؤى المستقبلية انعكاساً دقيقاً للواقع من ناحية، ومن ناحية أخرى ترجمة صادقة لقدرات الأمة وطموحها.

ثانياً:يؤكد النقطة السابقة أن الدراسات المستقبلية الغربية لها أهداف أخرى غير ما سبق، فهي تُستخدم في أحيان كثيرة كوسيلة للتأثير في الواقع عن طريق فرض تصورات أو مسارات حتمية للمستقبل في الأذهان، ويعتمد ذلك على القول بأن أي فكرة جديدة يتم طرحها من قبل جهة مؤثرة فإنها تكون قادرة على إعادة تنظيم الرؤى والتصورات والأفكار الأخرى في سياق يتلاءم معها، وتصبح مسألة الرفض أو القبول عديمة التأثير في هذه المجال.

وجانب كبير من الدراسات أو نتائج الدراسات المستقبلية التي تُنشر من قبل مراكز بحثية تنتمي إلى الولايات المتحدة يكون هدفها الترويج لتصورات محددة، فهي في الأصل مخطّطات وليست دراسات مستقبلية، وقبل أشهر نشرت المخابرات الأمريكيّة على بعض مواقع الإنترنت دراسة وافية تتنبأ بانقسام الاتحاد الروسي وتفككه إلى دويلات عديدة في خلال عشر سنوات من الآن، وقد سببت الدراسة إزعاجاً شديداً لقيادات الكرملين؛ لأنهم يعلمون تأثيرها السلبي، والطريف أن هذا الأسلوب - بصورته المبسطة - يستخدمه سياسيون عرب بكثرة في قضايا مختلفة مثل ترشيح شخصيات خارج السياق لتولي مناصب مهمة، أو للترويج لقرارت لها تأثير جماهيري، وقد كان الرأي العام في إحدى الدول العربية يعتبر أن تصريح مسؤول ما عن عدم وجو خطط مستقبلية لرفع الأسعار هو تأكيد رسمي غير مباشر لرفعها بالفعل.

ثالثاً:: الغرب لديه منظومته الفكرية والثقافية المتساوقة مع مبادئه وقدراته، وهذه المنظومة تطوّرت وتدرج بناؤها بصورة طبيعية ومنطقية - بغض النظر عن موقفنا من المضمون الذي تحتويه - والدراسات المستقبلية ظهرت وبرزت أهميتها كإحدى معطيات هذه المنظومة، وكان الهدف الرئيس منها مساعدة الدول الغربية على إدارة شؤونها وصراعاتها وتحقيق مصالحها واستغلال مواردها بأعلى مستوى من الكفاءة، ولذلك تُعتبر متلائمة مع البيئة السياسية والقانونية والاجتماعية في الدول الغربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت