الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِين وَصَلَّى الله وسَلَّم عَلَى نَبِينَا مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاهْتَدَى بِهُدَاه وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَومِ الدِّين .
أَمَّا بَعْدُ:
فحديثنا حول قضية مهمة جدًّا ، وهي قضية"الثَّوابِت والْمتغيرات"وهي قضية يَتَكرر طرحها خاصةً هذه الأيام ؛ لأنَّ المتغيرات الواقعة بأحوال النَّاس كثيرة وسريعة ، ومِن الأشياء التي ما كان يُظَنُّ أَنْ تكون قبل فترةٍ وجيزة أصبحت شيئًا موجودًا ومُمَارَسًا في حياة النَّاس .
ولِهَذَا لَمَّا عَظُمَ الانفتاح وكَثُرَت المتغيرات ، وصارت قوية وسريعة ، اضطرب كثير مِن النَّاس في التَّعامُلِ مَعَها ؛ ، لأنَّه لا يوجد لهم مراجِع علمية متخصصة تشمل الأمة الإسلامية وتتكلم بهذه القضايا وتُبْدِي رَأْيَها وتُبْدِي منهجها في معالجتها . . ونحو ذلك ، فكَثُرَ الاضطراب ، وفُتِحَ البَاب لكثيرٍ مِمَّن يخوضون في هذا المجال، وأَعْنِي بِهِ:المجال الأعظم والأكبر وهو:"كَيْفَيَّة تَعَامُل الْإِسلام - عَقِيدَةً وَشَرِيعةً - مَع هَذِهِ المتغيرات"؟!.
فَكَثِيرٌ مِمَّن خاض في هذا البَّاب خَاضَ مَعَ خَلفياته العقائِديَّة والفِكريَّة وغيرها، وصار كلٌّ يَنظر إلى هذه الأحوال مِن خلال ما عِنْدَه ، والحق أَنَّ دَينَ الإسلام الذي ارتَضَاهُ الله عز وجل ، هذا الدَّين العَظيم لَا يُمْكِن أَنْ يكون لِعْبَة بِيَد هَؤلَاء وأولئك ، ويَخُوض فِيهَا كُلّ مَن يَدري ومَن لَا يَدري ، حتى رأينا مَن يتكلم في هذه القضايا مِن الأصاغر: في علمهم ، وفي تمسكهم بدينهم ، والأصاغر حتى في أسنانهم !.
لِتَوِّهِ خَرَجَ عَلَى وَسِيلَة إعلامية فإذا بِهِ يَتَكَلَّم في قضايا الكِبار ، وخاصة فيما يتعلق بِدِينِ الله عز وجل في ظِلِّ هذه الظروف والمتغيرات الكبيرة التي تعيشها هذه الأمة .
هُنَاكَ قضية تُطْرَح الآن، تقول: أَنَّ هُنَاك ثوابت نَحنُ نَتمسك بها ، وهناك متغيرات يَجِبُ أَنْ تَتَغَيَّر، والخطير في الأمر هو أن هناك سَعْيًا حَثِيثًا جدًّا إلى تقليص الثَّوابت وجعلها مُجَردَات عقلية فقط ، وتوسيع دوائر المتغيرات حتى تَحوَّل الأمر- وللأسف الشديد - إلى أشياء متنوعة أصوليَّة وعقدِيَّة ومنهجيَّة وتشريعيَّة .
خطورة الكلام عن قضية"الثوابت والمتغيرات"
نَحنُ في هذه الكلِمَات نتحدثُ عَن مفاتيح في هذه القضية؛ لأن القضية ليست سهلة وليست صغيرة ..
وأُحِبُّ أَنْ أتكلم عن قضية مهمة جداً في أمرين:
الأول: دين الله عز وجل الذي به خُتِمَت الرِّسَالة ..
هل هو دين صالح لكل زمان ومكان أم لا ؟!
وإذا قلنا: بِأَنَّه صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمكانٍ - كما هو المتبادر إلى ذهن كل من ينتسب إلى الدِّين - فما معنى أَنْ نقول: دين الله صالح لكل زمان ومكان ؟!
ما هُوَ دِينُ الله؟!
لَا بُدَّ - بداهة- أَنْ يَنْصَب المصطلح على الدِّين الَّذِي جاء بِهِ مُحَمَّد r بِكُليَتِهِ .
فَإِذَا قَالَ قَائِل: هَل دِينُ الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟
جاء الجواب: نَعَمْ ؛ هو صالح لكلِّ زمانٍ ومكانٍ .. لَكِنْ مَا هُوَ هَذَا الدِّين؟!
هَل هَذا الدِّين: ذَلِكَ الدِّين الْمُغَيَّر، أَوْ الْمُبَدَّل، أَوْ الْمُحَرَّف، أَوْ الْمُؤَوَّل، أَوْ الذي تَتَبَنَّاهُ فِرقٌ وطوائف مُنْحَرِفَة عَن الإسلام ؟!
أم المقصود به: الدَّين الَّذِي أَرْسَلَ الله بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّد r ؟!..
وعَلَى هَذَا: فَأِنَّ دِينَ الله عز وجل الَّذي هو الإسلام ، والذي بِهِ نُسِخَت الرِّسالات والكُتب السابِقة وصار حُكَم الله قاطعًا: أَنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ r ويَتَبِعه عَلَى شَرِيعَتِه فَلَيسَ بِمُسْلِمٍ كَائِنًا مَا كَانَ عَمَله، أَوْ إِخَلَاصَه، أَو دِيَانَتَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلكَ .
هذا الدِّين الذي جاء به الرَّسو صلى الله عليه وسلم هُوَ نَفْسَهُ صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ ، صَالِحٌ لِزَمَنِ الصَّحَابَةِ ، وأيضًا صَالِحٌ لِزَمَانِنَا هَذَا .
مَا مَعْنَى أَنْ نَقُول أَنَّه صَالِحٌ لِزَمَانِنَا ؟!
إِذَنْ: فَلْنَأتِي إِلَي الدِّين بِأَصْلِهِ ونُطَبِّق هَذِهِ القَنَاعَة التِي نَقُولها نَظَريًّا ، ونَقُول: الدِّين صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ، فَنُطَبِّق هَذَا الدِّين تَحْتَ أَيَّ مُتَغَيِّر مِن الْمُتَغَيراتِ هَذِهِ .
الأمر الثَّانِي - الْمُتَعَلِّق بِتَأصِيل هَذِهِ القَضِيَّة ومِنْهَا نَنْطَلِق - هو: أَنَّ الإسلام لَمَّا نَنْظُر إِلَى ثَوابِته، فثوابت الإسلام ذَاتَ أصول ، عِنْدَنَا ثوابت أصول العقيدة ، وعندنا ثوابت الشَّريعة ، وعندنا ثوابت الْمَصْدَر .
أولًا: ثَوابِتُ الْمَصْدَرُ
إِنَّ دِينَ الله عز وجل مصدره الأساس"كتاب الله"عز وجل، وسُنَّة النَّبِي r ، ويُلْحَق بِهِمَا مَا أَجْمَعَت عَلَيهِ الأمة .