فهرس الكتاب

الصفحة 16051 من 27364

ثقافة التلبيس(12) :خلطهم بين الحب الشرعي للوطن والحب الوثني !

سليمان بن صالح الخراشي

يتردد عند كثير من الكتاب هذه الأيام الحديث عن"الوطنية"، والتغني بحب الوطن ، دون ضوابط من البعض تمنعه عن الخلط بين الحب"الشرعي"للوطن المسلم ، بالحب غير الشرعي . ولاأذيع سرًا إذا ما قلتُ بأن لفظة"الوطنية"غير محببة لدى كثيرين ؛ بسبب ارتباطها أول نشأتها بالفكرة الانعزالية التي تقيم حاجزًا بين أبناء الإسلام إذا ما اختلفت أوطانهم ، وتُطغي حبهم لأوطانهم على حبهم لدينهم ؛ حتى قال قائلهم في وطنه:

ولو أني دُعيتُ لكنتَ ديني *** عليه أقابل الحتم المجابا

أدير إليك قبل البيت وجهي *** إذا فهتُ الشهادة والمتابا !

وهذه"وثنية"لا"وطنية"؛ لا أظن مسلمًا يرضاها لنفسه - والعياذ بالله - .

وللفائدة ؛ فهذه الدعوة الوطنية"الوثنية"ابتدأت - باعتراف أحد دعاتها وهو الدكتور محمد عمارة - منذ الحملة الفرنسية على مصر ؛ يقول الدكتور: ( لقد كان الناس في مصر يفكرون تفكيرًا إسلاميًا يعرف الملة ولا يعرف الوطن ولا القومية ؛ فسلكت الأفكار الوطنية أو القومية التي ألقى الفرنسيون بذورها في تربة مصر إلى عقول الناس ) ( 1 )

ثم ازدادت هذه الفكرة الوثنية اشتعالا بسبب النصارى العرب - سواء القادمين من الشام إلى مصر أ الأقباط - فنفخوا فيها ونشروها ؛ لأنها تحقق لهم مصالحهم - كما لا يخفى - . ثم سرت في معظم بلاد المسلمين - للأسف - برعاية استعمارية ؛ يستفيد منها العدو في عزل بلاد المسلمين عن بعضها البعض ، وتشتيتها من خلال هذه الدعوة الجاهلية .

ويزداد الأسف ؛ عندما نرى بوادر لهذه الدعوة تسري إلى بلادنا من خلال كتابات هنا وهناك ؛ تحاول لبس الحق بالباطل ؛ وتعيد هذه الفكرة جذَعة في بلاد التوحيد ؛ في محاولة لصرف ( المملكة العربية السعودية ) عن دورها الإسلامي العظيم المنتظر منها في قيادة المسلمين إلى كل خير .

لذا ؛ فقد أحببت أن أنتقي ما وقفت عليه من عبارات للشيخ العلامة ابن عثيمين - رحمه الله - ؛ يوضح فيها الفروق بين الحب الشرعي للوطن ، والحب الجاهلي ؛ لعل الله ينفع بها .

يقول الشيخ في شرح حديث"وإذا استنفرتم فانفروا":

( ويجب على المسلمين أن يكون منهم جهاد في العام مره واحدة ؛ يجاهَد أعداء الله ؛ لتكون كلمة الله هي العليا ، لا لأجل أن يدافعوا عن الوطن لأنه وطن ، لان الدفاع عن الوطن من حيث هو وطن يكون من المؤمن والكافر ، حتى الكفار يدافعون عن أوطانهم ، لكن المسلم يدافع عن دين الله ، فيدافع عن وطنه لا لأنه وطنه مثلا ، ولكن لأنه بلد إسلامي فيدافع عنه حماية للإسلام .

ولهذا يجب علينا في مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم ؛ يجب علينا أن نُذكر جميع العامة بأن الدعوة إلى تحرير الوطن وما أشبه ذلك دعوة غير مناسبة ، وأنه يجب أن يعبأ الناس تعبئة دينية ، ويقال إننا ندافع عن ديننا قبل كل شي ؛ لأن بلدنا بلد دين وإسلام يحتاج إلى حماية ودفاع ، فلا بد أن ندافع عنه بهذه النية . أما الدفاع بنية الوطن أو بنية القومية فهذا يكون من المؤمن والكافر ولا ينفع صاحبه يوم القيامة ، وإذا قتل وهو يدافع بهذه النية فليس بشهيد ؛ لأن الرسو صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليُرى مكانه أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". انتبه إلى هذا القيد ! إذا كنت تقاتل لوطنك فأنت والكافر سواء ، لكن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ممثلة في بلدك ؛ لأن بلدك بلد إسلام ، ففي هذه الحال ربما يكون القتال قتالا في سبيل الله .

وثبت عن صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما من مكلوم يُكلم في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - أي يجرح - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك".

فانظر كيف اشترط صلى الله عليه وسلم للشهادة أن يكون الإنسان يقاتل في سبيل الله . فيجب على طلبة العلم أن يبينوا هذا والله الموفق ) . ( 2 ) .

وقال - رحمه الله - في شرح حديث"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله":

( ونحن إذا قاتلنا من أجل الوطن لم يكن هناك فرق بيننا وبين الكافر ؛ لأنه أيضا يقاتل من أجل وطنه . والذي يُقتل من أجل الدفاع عن الوطن فقط ليس بشهيد ، ولكن الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي ولله الحمد ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك ، الواجب أن نقاتل من اجل الإسلام في بلادنا .

انتبه للفرق: نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا ، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا ؛ سواء كان في أقصى الشرق أو الغرب ، فيجب أن تصحح هذه النقطة: فيقال: نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا أو من أجل وطننا لأنه إسلامي ، ندافع عن الإسلام الذي فيه .

أما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإسلام شيئا ، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت