فهرس الكتاب

الصفحة 27076 من 27364

د . ليلى بيومي 6/11/1427

الأزمة التي أثارها فاروق حسني وزير الثقافة المصري، لم تكن مفاجئة للمتابعين للشأنين الثقافي والإسلامي. فالهجوم على الإسلاميين، بصفة عامة، ليس مستهجنًا على المستوى المصري الرسمي، وكذلك على المستويين الثقافي والإعلامي.

القضية بشكل أو آخر، تختزل الصراع الثقافي وصراع الهوية بين النموذج الإسلامي الأصيل والنموذج العلماني الغربي الذي وفد إلى عالمنا العربي والإسلامي مع قدوم الاستعمار الغربي في العصر الحديث.

وقد بدأت عملية"علمنة"المجتمع المصري وتغريبه على يد محمد علي، الذي كان منبهرًا انبهارًا كاملاً بالثقافة الغربية والمدنية الغربية.

ومنذ عهد محمد علي ترسّخت العلمانية في المجتمع المصري، وأصبحنا نرى إنتاجًا ثقافيًا وأدبيًا يحذو حذو الغرب، ويدير ظهره للهوية الإسلامية والتراث الإسلامي، وليته وقف عند هذا الحد فقط؛ بل أصبح همه الأساسي هو الهجوم على التيار الإسلامي ورموزه ومشروعه.

ولقد كانت البعثات العلمية وسيلة من وسائل الدولة المصرية، منذ عهد محمد علي وحتى الآن، لمتابعة الحضارة الغربية وإنجازاتها. وكان فاروق حسني هو واحد من هؤلاء المبتعثين، ثم أصبح ملحقًا ثقافيًا في روما، فاطلع على الثقافة الغربية وانهزم أمامها؛ لأنه لم يكن محصنًا بالثقافة العربية الإسلامية بشكل كاف.

وما حدث لفاروق حسني حدث للكثيرين غيره من روّاد الثقافة، مثل قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وطه حسين وهدى شعراوي.. الخ.

نصف علماني ونصف إسلامي

ولقد وجد المسؤولون المصريون على امتداد التاريخ المعاصر أنفسهم في معضلة ليست سهلة. فهم من ناحية يعرضون أنفسهم على أنهم بلد الأزهر والريادة للعالمين العربي والإسلامي، وهذا يستلزم احترامًا معينًا لثوابت الدين والشريعة، وفي نفس الوقت هم خاضعون أيضًا للتراث المصري الذي أسسه محمد علي، والذي يؤكد على علمانية الدولة، أي الفصل بين الدين والدولة.

وقد اتزن ميزان الدولة المصرية عند هذا الحد الدقيق بين النقيضين (الإسلام والعلمانية) . وهكذا فإن علمانية مصر ليست هي العلمانية المتطرفة كما هو الحال في تركيا أو تونس، ولكنها علمانية من النوع المخفف، الذي لا يخاصم الشريعة الإسلامية، ولا الرموز الإسلامية بشكل عام.

وما فعله فاروق حسني هو توريط للدولة المصرية ونقلها من حالة العلمانية المخففة إلى حالة العلمانية المتطرفة التي تسخر من الرمز الإسلامي (الحجاب) وتستهزئ به على الرغم من أنه ثابت بالقرآن والسنة، ولا مجال للتشكيك فيه.

كما أن نساء مصر، في غالبيتهن، يرتدين الحجاب (وإن بدرجات متفاوتة وأزياء مختلفة) ليس انطلاقًا من انتماء لتيار إسلامي أو آخر، ولكن لأن هذا الزي أصبح مكافئًا للزي الوطني، الذي يؤكد الهوية الوطنية للنساء المصريات.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يشن نواب الحزب الوطني (الذي هو حزب الحكومة التي ينتمي إليها الوزير) في البرلمان هجومًا كاسحًا على فاروق حسني بصفته تجاوز الخطوط الحمراء التي ما كان له أن يتجاوزها. لدرجة أن الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية، والسيد كمال الشاذلي الوزير السابق والقيادي البارز في الحزب الوطني؛ شنّا هجومًا عنيفًا على الوزير، وأكّدا أن زوجتيهما وبناتهما محجبات، ومعظم نساء مصر محجبات، وما كان ينبغي للوزير أن يقع في هذه السقطة التي تجعل الحزب والحكومة في مواجهة مباشرة مع القاعدة العريضة من الجماهير المصرية من مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية.

إحراج الدولة

وهكذا وجدت الدولة نفسها في حالة حرج بالغ سببها لها وزير ثقافتها.. خاصة بعد أن وصف المشايخ بأن الواحد منهم"بتلاتة مليم". وفي هذا استخفاف بالمشايخ الذين هم القادة الحقيقيون للمجتمع المصري الذي يكن لهم احترامًا كبيرًا.

الحرج الذي أصاب الدولة المصرية كان حرجًا على المستوى العربي والإسلامي .. فكيف لمصر بعد ذلك أن تتباهى بأنها بلد الأزهر والحصن المنيع الذي يدافع عن المصالح العربية والإسلامية؟

ثم إن الوزير فاروق حسني فعل فعلته بلا أي مسوّغ .. فلم يكن هناك ما يستدعي ذلك، وليس من كياسة الوزراء أن يصدموا الناس في رموزهم الدينية وثوابتهم الشرعية بمثل هذه الفجاجة. لو كانت الدولة تخوض حربًا معينة ضد الإسلاميين لقلنا إن الوزير يقوم بدوره في هذه الحرب.. فأين هذه الحرب؟

ثم إن الوزير لا بد أن يتصف بالذكاء في اختيار ألفاظه، وهو ما غاب عن فاروق حسني. خلاصة القول: إن الوزير الذي استمر (19) عامًا في الوزارة، وهو مقرب بشدة من مؤسسة الرئاسة ارتكب الجرم الذي لا يُغتفر.

هناك الآن عدة سيناريوهات للخروج من المأزق الذي سبّبه فاروق حسني للنظام:

فإما أن يسحب البرلمان الثقة من الوزير وبالتالي يجبره على الاستقالة.. وهو احتمال ممكن ولكنه ليس سهلاً.. بل مستبعدًا لأن الرئيس مبارك لا يؤيد هذا الاتجاه، ولا يميل إليه بل يعارضه. وإما أن تجبر رئاسة الجمهورية الوزير على هذه الاستقالة.. وإما أن يصدر قرار بالإقالة بدون انتظار أن يقدم الوزير استقالته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت