فهرس الكتاب

الصفحة 8347 من 27364

هلا ّ انتهزنا الفرص السانحة!

د. توفيق الواعي

توفيق الواعي

كم من دروس انتهت ولم يستفد منها أحد، وكم من عبر مرت ولم تعِها الشعوب اللاهية، وكم من فرص ضاعت ولم تتعظ بها الأمة، لا في ليلها ولا في نهارها، وكأن هذه الدروس والعبر والفرص تنادينا كل يوم ينشق فجره:"يا مسلم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة"، ولكن لا مجيب.

وكم من نعم أسبغها الله على عباده، عمي عنها الناس ولم يستعملوها فيما خلقها الله من أجله، فضاعت ومرت، وسبقنا إليها غيرنا واستفاد منها سوانا ونحن نائمون، وهذا يخالف شريعتنا وطبيعة تعاليمنا.

قال الله تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ( البقرة: 148) ، وقال تعالى: وسارعوا إلى"مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين 133 (آل عمران) ، وقال تعالى: سابقوا إلى"مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله... 21 (الحديد) ، وقد شاء الله سبحانه أن يعلمنا توجهات الأمم المتخلفة منها والسابقة، فقال سبحانه: ثم أورثنا الكتاب الذين \صطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير 32 (فاطر) والسابقون ما سبقوا إلا بطبيعة قادرة وعزم شديد؛ لأنهم يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون 61 (المؤمنون) .

هذا وقد نبهنا رسول الله إلى اغتنام الفرص، واقتناصها قبل فواتها، حيث قال:"اغتنم خمسا قبل خمس، حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك".

إن قلب المؤمن يحس آلاء الله في كل نَفَس وكل نبضة، ويرقب نعمه بكل مشاعره وقواه، وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم السابقون لها فينالونها ويكونون في الطليعة بهذه اليقظة، وبهذا التوجه وبتلك الأعمال والإنجازات.

تلك اليقظة التي يفرضها الإسلام على المسلم، ويستجيشها الإيمان بمجرد استقراره في القلوب. وهي ليست تكاليف فوق الطاقة، ولقد شرع الله التكاليف وفق ما يعلم من استعداد النفوس وقدراتها لا نكلف نفسا إلا وسعها (الأعراف:42) ، وإنما يتخلف المتخلفون، ويضل العاجزون لأن قلوبهم في غمرة عن الحقائق، وفي لهو عن الفرص والنعم، لانشغالها بالتافه واندفاعها في التيه والضياع، فلا تفيق مجتمعاتهم إلا على الهول لتلقى التوبيخ والتحقير الذي تستحق: بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون 63 حتى"إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون 64 (المؤمنون) ."

فالعلة ليست في صعوبة الاغتنام وإنما لأن قلوبهم في غمرة، ولاترى الفرص أو الخيرات، ولهذا فهم دائماً ينتبهون ويفيقون على الكوارث المباغتة والمفاجئة، فيجأرون ولا من مجيب، والناظر إلى جؤار أمتنا اليوم التي تلازمها الكوارث وتباغتها النكبات، يقول: أين كانت هذه الأمة صاحبة المجد التليد والقرآن المجيد، والتعاليم الباعثة، والتوجهات الناهضة ولم تستغل فرصها وعقولها فيما ينفعها ويمنع عنها السوء والفحشاء؟! ولمَ نامت عن كل شيء نافع، وكل عمل سديد؟! ولمَ رضيت بالذلة وتركت العزة، ورضيت بالمسكنة وكرهت الرجولة، وتخلت عن الإنتاج ومدت الأيدي بالاستجداء، وعجزت عن إعداد السلاح واكتساب القوة حتى ضربت على أم رأسها وقفاها؟!

وكيف تخلت عن التكنولوجيا، وعشقت الأمية العلمية والبحثية، وتاهت عن علمائها ونبغائها، بل طاردتهم وعادتهم وحرضت عليهم، وولت أمورها العلمية لفقراء المواهب ومرتزقة المناصب، وكذابي النهضات؟

وكيف ضاع اقتصاد الأمة، فلا صناعات، ولا زراعات، ولا تجارات، ولا استغلال للخامات، ولا انتفاع بالأيدي العاملة، ولا بالفرص المتاحة؟

وكيف تحكّم في الأمة التيه السياسي، وضاع منها التدبير الصالح والفهم الحكيم للأمور؟ وكيف قطعت الألسن وكبتت الآراء، وانقلب المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وانقلب النصح إلى عداوة، وضاعت كلمة الحق؟ وكيف ساد النفاق وارتفع متملقو السلاطين وكذابوهم، فضاعت الرؤى المستقبلية وتاهت كلمات النور في الظلام الدامس!

وها نحن أولاء اليوم نباع ونشترى وتمر بنا الفرص تلو الفرص ونحن في غفلة ساهون وفي عماية سادرون، جاءتنا فرصة الغزو العراقي، وكان العراق هو المستنقع الذي أطار صواب أمريكا وأضعف شأنها واحتاجت فيه إلى منقذين، ولم نستغل تلك الفرصة أو نستفد منها أو نشترط فيها، بل ازداد خضوعنا وغباؤنا.

وجاءت حرب لبنان وخرج"الصهاينة"ومعهم"أمريكا"من الحرب بهزيمة منكرة وفضيحة مدوية، بعد أن كانوا قد أعدوا العدة لتنفيذ الشرق الأوسط الكبير، وتقسيم بلادنا بما تمليه"إسرائيل"، وكان ينبغي على الجميع أن يستغل ضعف"إسرائيل"وخيبتها لفرض شروط معينة في القدس وفلسطين، ولكن خاب التوقع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت