فهرس الكتاب

الصفحة 24364 من 27364

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

عندما نتمعن في الحضارات المتنوعة وعلاقتها ببعضها نجد أن كل حضارة لها معتقداتها وتقاليدها وطرق معايشها. ونجد أن كل حضارة تأخذ من الأخرى ما يسهم في بناء وتقدم الإنسان وما يروي عطشه إلى المعرفة ومحاولة الوصول إلى الحقيقة. لا توجد حضارة قائمة بذاتها ولها زادها المعرفي الخاص بها وأنا هنا لا أتكلم عن المعتقدات بل أشير إلى المعرفة التي بها نمت جميع الحضارات.

فلو بحثت في نشأة أي حضارة فسوف تستنتج أنها استقت معلوماتها من اندماجها بحضارات أخرى ثم زادت عليها و أبدعت فجاءت حضارة أخرى وبنت معرفتها من الحضارات السابقة وزادت هي الأخرى أبدعت. فحركة الحضارة هي حركة تصاعدية وعملية بناء وتفاعل بين مختلف الحضارات. وأضرب أمثلة توضح هذه الفكرة.

كان العرب يستخدمون حروف الهجاء بمثابة الأرقام وقد نقلوا ذلك عن السريان. مثلا حرف الهمزة يمثل الرقم واحد وحرف الباء يمثل الرقم اثنين وحرف الحاء يمثل الرقم ثمانية وحرف الثاء يمثل الرقم خمسمائة وكانوا يستخدمون ذلك في حساباتهم. وعندما اتصل العرب بالحضارة الهندية في زمن الفتوحات الإسلامية حصل تفاعل واندماج معها فأخذوا منهم الأرقام الهندية وهي التي نكتب بها الآن. وقد أضاف العرب الصفر إلى هذه الأرقام وبزيادة الصفر سهل حل كثير من المصاعب . ثم جاء الفرنجة وأخذوا الأرقام التي يكتبون بها الآن من المسلمين في الأندلس مع تحوير في شكلها . هذا التفاعل يولد أسسا جديدة لتصحيح مسيرة الحضارات .

والمسلمون لم يعرفوا الحساب والهندسة والفلك إلا بعد حركة الترجمة التي كانت في العصر العباسي في القرن الثاني الهجري وخصوصا ترجمة العلوم اليونانية التي غيرت طريقة تفكير المسلمين ومنهجهم في النظر للكون والأشياء. لكن المسلمين أضافوا الشيء الكثير والجديد مثل علم الجبر الذي لازال يسمى في الغرب algeb r a وأبدعوا في مجال الكيمياء والفلك والجغرافيا حتى جاءت الحضارة الغربية واقتبست من الحضارة الإسلامية.

ولنأخذ مثلا آخر لنوضح كيف أن الحوار بين الحضارات هو عملية بناء لمحاولة الوصول إلى الحقيقة. مثلا قال العالم اليوناني بطليموس المتوفى سنة 170 ميلادية أن الأرض هي مركز الكون وأن الكواكب الأخرى تدور حولها . ثم جاء العالم البولندي كوبرنيكس المتوفي سنة 1543 ميلادية وخطأ نظرية بطليموس وقال أن الشمس هي مركز الكون وأن الأرض تدور حولها فكان مصيره الإعدام من قبل الكنيسة والتي أرغمت الناس بعدم تصديقها. في القرن السادس عشر الميلادي جاء العالم الإيطالي جالليليو وتبنى نظرية كوبرنيكس وبنى أول تلسكوب بقوة تكبير عشرين مرة ونشر أبحاثه حول كروية الأرض والكون .

وقد كان للمسلمين دور في هذا المجال. فقد قال العالم المسلم أبو الريحان البيروني المتوفى سنة 400 هجرية أن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس وقد أشار كوبرنيكس إلى اسم البيروني في كتاباته . ثم يظهر في القرن العشرين العالم آينشتاين ويقول بنظرية انبعاج الكون .

وقد ظلت قوانين اسحق نيوتن في الحركة في علم الفيزياء هي السائدة حتى جاء آينشتاين بنظريته النسبية التي أدخلت تغييرا في تلك القوانين . فمثلا ظل الاعتقاد بأن الكتلة لا تتغير لا تزيد ولا تنقص لكن أثبت آينشتاين أن الكتلة تزيد أو تنقص مع تغير السرعة . وقد كان يعتقد أن الضوء يسبح في وسط أسمه الأثير لكن آينشتاين أثبت أن الضوء يسري في الفراغ .

ولو بحثت في دقائق نظرية النظريات التي تظهر عبر التاريخ ترى أنها بنيت على نظريات سابقة لها سواء كانت هندسية أو رياضية أو فلكية أو غيرها أخذها العلماء من سابقيهم مثل فيثاغورس وبطليموس وأرخميدس وجابر بن حيان والحسن بن الهيثم والجلدكي وابن سيناء واسحاق نيوتن وغيرهم . فترى أن مسيرة كل حضارة لايمكن فصلها عن الحضارات الأخرى وهناك عملية هدم وبناء وتصحيح ما هو خطأ وحوار خفي وصامت بين كل الحضارات برغم الصراع والتطاحن والحروب الدائرة بينهم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت