سمر عبدالله 5/4/1426
عندما تتحرك أصابع الاتهام نحو أحدنا، تراه يلجأ إلى نواياه مُتدرِّعاً بِها، مشيراً إليها، ناسياً أن هذه النوايا خرساء و إن تكلّمت... و أنها لاتشغل حيّزاً من الفراغ سوى ذلك الذي في جوفه!
هذا هو حال نوايانا، فهي تبعث بشفراتٍ لاتصل إلى سوانا ولايسمعها أو يفكّ أسرارها أحد غيرنا، و مع هذا فإننا نستغلها في الشفاعة لأنفُسنا ونطلب من الناس أن تتفهمها و تتعامل معها و كأنها مسموعة أو مرئية، فهل يحق لنا يا تُرى أن نُطالِب بذلك؟ و هل يجوز لأحدِنا أن يُشير إلى نيته يستشفعها أو يطلب من الآخرين تفهمها و التعامل معها و كأنها مسموعة أو مرئية؟ هل تكفي النوايا شفيعاً؟ و هل تُجزيء عن الأفعال؟!
قبل أن تحاول أن تجِيب على الأسئلة، دعني أذكرك - أيها القاريء - بحقيقة أن للفعل لغةً قد تختلِف عن تلك التي تتحدث بها النوايا، و أن هذا الإختلاف قد يجعلهما في تباين شديد في كثير من الأحيان، و سأذكر لكم هِنا مِثالاً جمع بين أطيب النوايا و أعنف الأفعال، فلنقرأه بتمعن و نتفكّر فيه و نحاول إعتبار الدروس من خِلاله.
تأمل أفعال العبد الصالح الوارِدة في الآيات التالية (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا *قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا* فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا* قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) [سورة الكهف، الآيات 71 - 78]
ثمّ أنظر إلى نواياه التي فسّرها هُنا"أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا" [سورة الكهف، الآيات 79 - 82]
و تأمل حالِ موسى عليهِ السلام حين صمّ عن إستيعاب النوايا فلم يستطِع صبراً على الأفعال التي رأى أنها نُكراً إمراً... و تفكّر في مدى التباين بين الأفعال و النوايا و إلى أي حد قد تبدو الأفعال الظاهِره عنيفة و إن حسنت خافي النوايا! ثم قُل لي: هل قبلتَ شفاعة نوايا العبد الصالح لأفعاله؟!
إن أول درسٌ نستفيده من المِثال أعلاه هو أن لانصدر حُكماً مُطلقاً قبل الإستفسار أو الإستماع إلى الطرف الآخر و أن نصبر ولا نتسرّع في الحكم على ظاهِر الأمور، قبل أن نسمع لجميع أطراف القضية!
الأمر الآخر الذي يجعلنا المِثال نُدركه هو أنه يجب على"الفاعل"عدم الإعتماد على حسن ظن الناس بِه فقط أو مطالبتهم بالثِقة في دوافعه وهم لايعلمون عنها شيئاً، بل عليه منح نواياه مساحة صوتية يترجم من خِلالها تِلك الدوافع حتى تتفهمها الناس قبل إصدار الحكم عليه.
و أهمّ درس نستفيده من المِثال أعلاه هو أن النوايا تتطلب أفعالاً، قد تكون عنيفة أحياناً، من أجل تحقيق النتائج و الوصول إلى المُراد، فالعبرة تكون دائماً بالنتائج ناجحةً كانت أو فاشِلة، لا بالنوايا ولا بالأفعال والأقوال فقط، سواء حسُنت أو ساءت، و المثل يقول"لايكفي أن تصوّب، بل يجب أن تصيب الهدف"...
كما تجدر الإشارة إلى أن بعض النتائج قد تكون لحظية فلا يصح الإعتبار بِها و الحكم عليها (كخرق السفينة و قتل النفس الزكية) بل يجب إعتبار النتائج طويلة الأمد متى ما أفصح المرء عنها (كإنقاذ السفينة من أطماع الملك الظالم و عدم تعريض الأبوين المؤمنين لعقوق النفس الكافرة الطاغية) .
لكِن ماذا لو خانَ لِسان المرء تِلك النوايا الخرساء و لم يكن أميناً في التعبير عنها؟! هل نعتبِر أقواله أم أفعاله؟ أم نحكم غيبياً على نواياه؟!