فهرس الكتاب

الصفحة 5565 من 27364

العَلمانية والعِلمانية

د. أحمد إدريس الطعان- كلية الشريعة - جامعة دمشق

بريد إلكتروني:ahmad_altan@maktoob.com

العَلمانية والعِلمانية

أولاً - العلمانية من العلم أم من العالم ؟:

من خلال قراءتنا السابقة للمصطلح في المصادر الأجنبية من معاجم ودوائر للمعارف ، وتعريفات للباحثين الغربيين يمكننا أن نؤكد أن العَلمانية - بفتح العين - هي الترجمة الصحيحة على غير قياس لكلمةsecula r ism الإنجليزية أو secula r it الفرنسية ، وهاتان الكلمتان لا صلة لهما بلفظ العلم ومشتقاته ، فالعلم في الإنجليزية والفرنسية يعبر عنه بكلمة science والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة scientism والنسبة إلى العلم هي scientific أو scientifique في الفرنسية والترجمة الدقيقة للكلمة هي"العالمانية"أو"الدنيوية"أو"اللادينية" ( ) ، ولكن تحولت كلمة عالمانية إلى عَلمانية لأن العربية تكره تتابع الحركات وتلجأ إلى التخفف منه ( ) .

وكذلك فإن زيادة الألف والنون هنا ليست قياسية في اللغة العربية أي في الاسم المنسوب"عالماني"، وإنما جاءت سماعاً مثل: رباني ، نفساني ، روحاني ، عقلاني ، ومثلها علماني ، واللغة العربية تقبل إضافة الألف والنون لاحقة لبعض الكلمات ( ) ، والترجمة الحرفية في قاموس اللغة للعلمانية هي"الدنيوية"لأنها مشتقة من العالَم أي"الدنيا" ( ) . ومن هنا فإن العلماني هو الدنيوي لأنه يهتم بالدنيا ، بخلاف الديني أو الكهنوتي فهذا الأخير يهتم بالآخرة . وأول معجم عربي يورد الكلمة هو المعجم الوسيط ، وقد جاءت فيه بهذا المعنى في طبعتيه الأوليين ( ) .

وأول معجم ثنائي اللغة قدم ترجمة صحيحة للكلمة هو قاموس"عربي فرنسي"أنجزه لويس بقطر المصري عام 1828 م وهو من الجيل الذي ينتمي للحملة الفرنسية ، وقد كان متعاوناً مع الفرنسيين ورحل معهم إلى باريس وعاش هناك وكانت ترجمته لكلمة: = cecula r iteعالماني و = ceculie r علماني ، عالماني ، وميزة هذه الترجمة أنها أول وأقدم ترجمة صحيحة للكلمة تدحض آراء الذين يعتبرون العَلمانية من العِلم ، لأنه نسبها إلى العالَم ( ) . وكما أن الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للدلالة على المبالغة الشديدة في التخلق بصفات الرب عز وجل والعبودية له ، وللدلالة على كمال الصفة أو بلوغها حداً قريباً من الكمال قالوا في كثير الشعر: شعراني . وغليظ الرقبة: رقباني . وطويل اللحية أو كثيفها: لحياني ( ) ، كذلك فإن العَلماني منسوبٌ إلى العالَم - بهذا الشكل - للدلالة على المبالغة في الانتماء إلى العالم والإيمان به ( ) .

ومما يؤكد انقطاع الصلة بين العَلمانية والعلم البحث القيم الذي تقدم به د . عدنان الخطيب حول تاريخ الكلمة الذي أرجعه إلى قرون عديدة ، وتاريخ دخولها إلى اللغة العربية ، وقد استند في بحثه على مراجعة مصادر الكلمة في اللغات القديمة كالآرامية والسريانية ، وصلة الكلمة بالعلاقة بين رجال الكنيسة وعامة الناس ، حيث إن رجال الكنيسة ليسو عَلمانيين ، لأنهم يهتمون بالآخرة فقط ، أما بقية الناس والشعب فهم:"دنيويون ، دهريون ، زمنيون ، قرنيون ، عالميون"، وهذه التفرقة انتقلت إلى اللغة العربية - بنظره - عندما تغلبت هذه على الآرامية بعد الفتح الإسلامي عن طريق ترجمات علماء السريان .

وعندما استقل التعليم عن الكنيسة في فرنسا بعد الثورة وُصِف هذا التعليم بأنه ceculai r e ودلالتها هي نفس الدلالات القديمة التي يوصف بها من هو خارج الكنيسة من عامة الشعب ، فكل واحدة من الكلمات السابقة"دنيوي ، زمني ، دهري…"تصلح مقابلاً للكلمة الفرنسية seculai r e إلا العِلم فلا يدخل في مدلولاتها مطلقاً ( ) .

مع أن هذا التأصيل المعجمي لمصطلح العلمانية يكاد يكون حاسماً في أن العلمانية من العالَم وليس من العِلم ، ولذلك فهي بفتح العين وليس بكسرها ، فإن كثيراً من العلماء والباحثين العرب والمسلمين مختلفون حول النسبة الصحيحة للعلمانية ، فالبعض ينسبها إلى العلم وينطقها بكسر العين ، ومن هؤلاء أستاذنا الجليل الدكتور البوطي ( ) ، والدكتور يوسف القرضاوي ( ) ، والدكتور عبد العظيم المطعني ( ) ، والشيخ محمد مهدي شمس الدين ( ) والدكتور عماد الدين خليل ( ) والدكتور زكي نجيب محمود ( ) ، والدكتور سفر الحوالي ( ) ، وممن أجاز الوجهين - الكسر والفتح - الدكتور:عزيز العظمة وإن كان يفضل الكسر ( ) ، والدكتور رفعت السعيد ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت