فهرس الكتاب

الصفحة 7710 من 27364

منير شفيق *

ثمة إيجابية من وضع مشكلة إصلاح الجامعة العربية (الأدق إصلاح العلاقات العربية - العربية) على نار حامية، فعلى رغم أن ذلك ضرب على حديد بارد، بسبب استراتجيات الدولة القطرية وسياساتها، إلا أنه كشّاف للسياسات العربية الراهنة في هذه المرحلة، كما هو كشاف لمدى إمكان"التحرك العربي المشترك"في مواجهة الهجمة الأمريكية - الصهيونية التي تواجه الوضع العربي برمته إلى حد التجرؤ على إعلان هدف إحداث تغيير جوهري فيه.

هذا يعني إن السياسة قبل الإصلاح، والإصلاح مرتبط بالسياسة، ومن ثم فهو إن تم خدمَ سياسات معنية، وإن لم يتم خدم سياسات أخرى، صحيح إن إشكالية الجامعة العربية منذ نشأتها حتى اليوم نابعة أساساً من طبيعة التجزئة ومن طبيعة دولتها القطرية، أي أن ثمة مشكلة في التكوين، وما يحمل من غريزة ونزعات قبل أن تكون في السياسة، بل كثيراً ما كانت الخلافات السياسية في المراحل السابقة تعبر عن التناقضات الناشئة عن طبيعة التجزئة ودولها، وقد وصل الأمر في حالات إلى أن يذهب عمرو يساراً إذا ذهب زيد يميناً، أو العكس (بالمعنى المجازي ليسار ويمين) ، ومن يتابع التناقضات العربية وصراعات المحاور في مرحلة حلف بغداد يجد أمثلة على ما تقدم.

على أن الوضع تغير نسبياً وليس جوهرياً بعد انتهاء الحرب الباردة، وبوضوح أكبر بعد العدوان الأمريكي على العراق واحتلاله، فقد أصبحت السياسة وعلى التحديد مدى الاستجابة لأميركا أو التجاوب مع سياساتها تتخفّى وراء الخلافات المتعلقة بإصلاح الجامعة، أو الموقف من إعادة انتخاب عمرو موسى أميناً عاماً لها، فقد ينشب خلاف حاد حول نقطة تتعلق ببند من بنود نظام الإصلاح لا يكون مقصوداً لذاته، بقدر ما يختبئ وراءه من خلافات سياسية متعلقة مثلاً بالعلاقات مع أميركا والدولة العبرية، أو بهذا الجانب أو ذاك من السياسات الخاصة بفلسطين والعراق، والموقف العربي العام من مشروع"الشرق الأوسط الكبير".

طبعاً إن تفسير تلك السياسات ذات الجموح المتطرف نحو أميركا يجب ألا يقتصر على تأويله من خلال المتغيرات في موازين القوى فحسب، وإنما أيضاً لا بد من أن تبقى إشكالية التجزئة ودولتها حاضرة في التحليل، بل جاء التغيير في موازين القوى ليغري بعض الدول بإطلاق غريزتها القطرية النابذة للتعاون العربي لتصبح جموحاً يمزق تلك الغلالة الرقيقة التي تحفظ لها هويتها العربية رسمياً، والتي اسمها الجامعة العربية، وهذا كله ما كان ليتم لولا الدفع الأمريكي باتجاهه، فهو الأكثر تطابقاً مع مشاريع الشرق أوسطية، أما الخلفية النظرية له فهي أن هذه المنطقة فسيفساء (موازييك) من طوائف واثنيات وأديان وأقطار تجمعها الجغرافيا (والرغبة الأمريكية - الإسرائيلية) ، وليس لها من هوية عربية أو إسلامية، أو من شعوب حية لها تطلعاتها أو مصالحها العليا.

لكن في المقابل وضمن حكم حال التجزئة، وبسبب تفاوت الأحجام والأدوار وعوامل أخرى، كان لا بد من أن تتماسك عدة دول العربية (ولو بتراخ أو ليس كما يجب) في مواجهة، أو ممانعة، الهجمة المذكورة من جهة، وفي التشديد من جهة أخرى على أهمية الجامعة العربية، وعدم السماح لغلالتها حتى لو كانت رقيقة بالتمزق، بل انتقل البعض بما يشبه الهجوم إلى تقديم مشاريع إصلاح للجامعة تحت هدف تثبيت بقائها، وزيادة فعاليتها إن أمكن، وهذا في الوقت الذي دخلت الجامعة العربية (العلاقات العربية - العربية) أخطر مراحل تمزقها، وطُرح استبدالها برابطة"الشرق الأوسط الكبير"، في هذا الوقت اشتدت دعوة إصلاحها رداً على ذلك النقيض الخطير المدمر، ليس من زاوية الهيمنة الأمريكية - الإسرائيلية، وتصفية القضية الفلسطينية فحسب، وإنما أيضاً إلغاء هوية المنطقة، وبعثرة شعوبها.

من هنا جاءت مشاريع إصلاح الجامعة العربية والردود عليها لتعبّر عن المعادلة التي وصل إليها الصراع، طبعاً هنالك من راح يشن حملة تغطيها القناة الأمريكية"الحرة" (مشروع الحرب النفسية ضد العرب) ، ومضمونها يقول إن ما تريده أميركا هو الذي سيتحقق، أما في المقابل فثمة من يدحضها وبحق ليقول: على الرغم مما يبدو على السطح من قوة للهجمة الأمريكية والإسرائيلية، فإنها في حقيقتها ضعيفة، بل ربما كانت أشد ضعفاً مما يمكن أن يخطر في بال.

فهي ضعيفة أمام شعب فلسطين وعدالة قضيته، وأمام مقاومته وانتفاضته وتضحياته وصموده، والدليل مشروع الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وتغطيته بمزيد من المجازر وأخيرتها وليست بآخرها المجزرة التي أوقعها عن سبق إصرار وتصميم في القطاع نفسه بتاريخ 7/3/2004م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت