سؤالٌ يطرحه المسلم في هذه الأيام على أمته ؟ يحتاج إلى جواب عملي، ونظري، خلاصته:
هل فعلاً أن أمتنا الإسلامية، في عصرها الحاضر، لم تعرف بعد ولم تدرك موقعها بين الأمم ؟ و من ثم فهي تتخبط يميناً وشمالاً، مشرفاً ومغرباً، وكأنها بقايا أمةٍ منقرضة لا عقيدة عندها ولا شريعة، ولا تاريخ ولا حضارة ؟
وإلا فما الذي يفسّر مسيرتها في هذا القرن الحادي والعشرين الميلادي ؟ حيث يقود زمامها العلمانيون تارة، والقوميون تارة أخرى، وتلامذة الفكر الغربي تارات وتارات.
لقد مرّ بعالمنا الإسلامي - في أثناء الاستعمار- محن تخللتها تيارات فكرية متنوعة، تستهدف العقيدة والأخلاق، وقد دعمها الأعداء، وأوحى بها الفكر الغربي والحضارة الأوروبية، وهي تقوم على ثلاث محاور:
المحورُ الأول: الدعوة إلى الحرية الشخصية والفكرية.
المحور الثاني: الدعوة إلى العلمانية، وفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية.
المحور الثالث: الدعوة إلى تحرير المرأة.
وفيما بين ذلك، الدعوة إلى تطوير التعليم، وتربية الأمة على المناهج الغربية، وعزلها عن منابعها الأصلية.
وها أنا أقدم لكم نماذج ومنهجها المقتضى، لكونها مفهومة لدى الحاضرين ما أمكن -.
فقد عمّ العالم العربي وغيره من بلاد الإسلام، دعوا ت إلى القومية العربية، والهندية، والتركية وغيرها، وقامت هذه الدعوات مدعومة من الاستعمار، وكان للنصارى العرب الدور الكبير في الدعوة إلى القومية العربية، فحملوا لوائها، وصاحب هذه الدعوات القومية، دعوا ت وطنية خاصة بكل دولة، عمادها بعث التاريخ السابق على الإسلام، أي تاريخ الجاهليات الوثنية، وإحياؤها، وإبراز عظمتها، وكان من أبرز الوسائل لذلك، أمر لا يتنبه البعض لخطورته وأثره العقدي على الأمة الإسلامية، ألا وهو:
الاهتمام الشديد بالآثار في بلاد الإسلام، وقد بدأ الاهتمامُ بنشاط قوي، مفاجئ لبعوث الآثار الأجنبية بعد الحرب العالمية الأولى، حيث جاءت هذه الوفود إلى بلاد الإسلام، تنقب عن تلك الآثار القديمة وتكتب عنها، وتعلم شعوب المنطقة أهميتها التاريخية والمالية.
فهل كان هذا الاهتمام الغربي بآثارنا القديمة- وخاصة ما كان قبل الإسلام - عفوياً ونابعاً عن نية سليمة ؟ دعوني أضرب مثالاً:
لقد أعلن الثري الأمريكي ( روكفلر ) بعد الحرب العالمية الأولى - أي قبل ما يقارب ثمانين عاماً - أعلن تبرعه بمبلغ عشرة ملايين دولار، لإنشاء متحفٍ للآثار الفرعونية، يلحق به معهدٌ لتخريج المتخصصين في هذا الفنّ، ملايين أ ظنُّها توازي ميزانية دولة من الدول، ينفقها هذا الثري الغربي على إحياء الآثار الفرعونية، في بلاد الإسلام - مصر، فما الذي أثمرته مثل هذه الجهود ؟
لقد قامت في بلاد الإسلام دعوات متعددة، ولكل إقليم جاهلياته القديمة، مع تربية الأمة عليها من خلال الوسائل المختلفة، وخاصة التعليم والإعلام.
قد لا تصدقون أن الشاعر- أحمد شوقي- الذي يحوي ديوانه عدداً من القصائد الإسلامية، قال قصيدة يمجد فيها الفراعنة، وقد أهدى هذه القصيدة إلى المستشرق ( مر جو ليوث ) أستاذ اللغة العربية، وأستاذ عدد من مفكري مصر في ذلك الوقت، وقال شوقي في مقدمةِ الإهداء له:"نظمتها تغنياً بمحاسن الماضي، وتقييداً لآثار الآباء، وقضاءً لحق النيل الأسعد الأمجد، ونسبتُها إليك عرفاناً لفضلك على لغة العرب، وما أنففت من شباب وكهولة، في إحياء علومها ونشر آدابها"
ومما قاله في هذه القصيدة- واسمحوا لي في هذا النقل، فإن الغرض من ذلك، نقله على سبيل التحذير والرد، وبيان باطله. يقول:
أين الفراعنة الذين استذري بهم عيسى ويوسف والكليم المُصْعقُ
الموردون الناس منهل حكمة أفضى إليها الأنبياء ليستقوا
الرافعون إلى الضحى آباءهم فالشمس أصلهم الوضئ المعرق
وكأنما بين البلى وقبورهم عهدٌ على أن لا مساس وموثق
فحجابهم تحت الثرى في هيبة كحجابهم فوق الثرى لا يُخرق
بلغوا الحقيقة من حياة علمُها حُجب مكثّفة وسرٌ مُغلق
وتبينوا معنى الوجود فلم يروا دون الخلود سعادة تتحققُ
ثم يقول:
لا الفرس أوتوا مثله يوماً ولا بغدادُ في ظل الرشدِ وجلِّق
فرعون فيه من الكتائب مقبلٌ كالسحب قرنُ الشمس منها مفتق
تعنو لعزته الوجوه ووجهه للشمس في الآفاق عانٍ مطرقٌ
آبت من السفر البعيد جنوده وأتته بالفتح السعيد الفيلقُ
ومشى الملوك مصفدين خدودُهم نعلٌ لفرعون العظيم ونُمرُقٌ
مملوكة أعناقهم ليمينه يأبى فيضرب أو يمن فيعتق
ويلاحظ كيف جعل الأنبياء - عليه الصلاة و السلام - يستقون من كلم الفراعنة، بل استذرى بهم عيسى ويوسف وموسى- عليهم السلام - ثم يجعل حضارتهم أعلى من حضارة المسلمين في بغداد ودمشق .