فهرس الكتاب

الصفحة 15962 من 27364

مجلة البيان - (ج 26 / ص 73)

أبلت الصحف والمجلات العربية بلاء حسناً في عرض قضية"نقص المياه"و"حرب المياه". وقدمت تحليلات كثيرة حول هذا الموضوع الذي أبرزته واهتمت به الصحافة العالمية. وأشارت إلى أن الحرب المقبلة التي قد تنشغل بها الدول العربية فيما بينها ، أو فيما بينها وبين جيرانها في المستقبل قد تكون حروباً على المياه ، وأن تركيا تريد أن تسخر موضوع المياه لتحقيق أغراض سياسية واستراتيجية في المنطقة.

وقدمت هذه الصحف بعض الأرقام الإحصائية التي أصدرتها دول حوض الفرات عما يمكن أن يكون تصوراً أولياً عن نسبة استحقاق كل دولة من ماء الفرات ، وعما تنوي أن تحتجزه تركيا من مائه، وما سمحت بمروره،وعن مستقبل توزيع الحصص. وهناك ملاحظات حول المعلومات والتحليلات التي تضمنتها هذه الصحف ، ومن ذلك:

1 -كان هذا الموضوع متشابهاً حيث عرض ، وكانت أكثر الصحف تنقل عن بعضها الأرقام والنتائج المتوقعة ، وليس من اختلاف إلا في التلاعب في بعض الجمل والألفاظ الرابطة، والتي يظن المحررون بسذاجة أنهم - بمهارتهم وحنكتهم -يستطيعون أن يقنعوا القراء أنهم يحققون سبقاً صحفياً لمطبوعاتهم؛ سواء على مستوى أهمية القضية وما تمثله في الواقع ؛ أو على مستوى تحليلها.

2 -كل التحليلات العربية تقريباً كانت تتكئ على التحليلات الغربية ونظرتها المسبقة المغرضة إلى المنطقة ، أي تناول القضية وكأنها بنت الواقع الحالي دون ربطها بقرائنها التاريخية والجغرافية ، والنظر إلى أن الحالة الراهنة هي حالة مطلقة لن يدركها التبديل ولا التحويل.

ولتوضيح ذلك نقول:

إن الأوربيين - مؤرخين، وصحفيين، ومفكرين - لا ينظرون إلى العالم العربي كوحدة فكرية وتاريخية بينها من الروابط ما بين أقاليم فرنسا ، أو بريطانيا ، أو إيطاليا ، أو غيرها؟ بل ينظرون إلى العرب كما يحبون أن يروهم: منقسمين على أنفسهم ، بينهم من الخلافات العميقة التي يستحيل حلها، ولا شيء يجمعهم، وأن هذه الحدود التي تفصلهم هي حدود أزلية أبدية! وكأنهم ليسوا هم الذين رسموا هذه الحدود على الورق أولاً ، ثم نفذت على الأرض ثانياً ، لا العكس - كما هو الطبيعي في كل البلاد ، ما عدا تلك التي فتحها المسلمون ؛ أو دخلها وانتشر فيها الإسلام!

يتجاهل هؤلاء الأوربيون في تحليلاتهم أن الحدود بين العراق والشام، وبينهما وبين تركيا بل الحدود بين دول المشرق العربي جميعها؛ لم تبرز إلا بعد اتفاقية سايكس -بيكو عام 1916 وأنها لم تنفذ على هيئتها الحالية تقريباً إلا بعد عام 1920.

إن النظرة التي ينظر بها الأوربيون إلى هذه البلاد هي أنها بلاد كانت مشرعة الأبواب على مصاريعها ، تدخلها الموجات البشرية الغازية من جهاتها الأربع. وأنهم إذا حدوا لكل رقعة حدوداً ، ورسموا لها مجالاً لا تتعداه؛ فقد أسدوا إليها معروفاً لا ينبغي أن ينكر أو ينسى.

ولكن ، هل بقيت كلمة حول قضية المياه لم تطرح؟ أو شيء غامض لم يكشف عنه الحجاب؟.

والجواب: نعم ، هناك مسألة يمليها التصور القائم على أساس الإسلام ، وتتهرب الصحافة العربية التي تسير على هدي الصحافة الغربية من تناولها من هذه الزاوية. وسواء كان هذا التهرب جهلاً أو تجاهلاً؛ فالنتيجة واحدة.

هذه المسألة هي مسالة القومية التي استوردناها - عرباً وأتراكاً - من الغرب ، فنفخت في أنوفنا ، وأعمتنا عن رؤية الحقائق كما هي ، وجعلتنا نتعصب للجنس على حساب الحق ، ونبرز الفوارق العنصرية ، ونخفي ما نتفق عليه ، والذي هو مبرر عزتنا ، وعنوان حضارتنا - وهو الإسلام الذي خرجنا بفضله من الظلمات إلى النور ، وقدمنا عن طريقه إلى العالم شيئاً نعتز به ونفتخر ، والذي قد لا تزول كراهية الغرب بتاتا للعرب وغيرهم من أمم الشرق إذا تخلوا عنه؛ ولكن ستكون كراهيتهم لهم ما داموا يعتزون به ولا يرضون عنه بديلاً أكثر وأكبر.

إن القضايا الاقتصادية التي تؤثر على العلاقات بين الشعوب لا تعالج معالجة معزولة عن القضايا النفسية والتاريخية التي توجه هذه الشعوب ، ونعني بذلك هنا قضايا العقائد والمبادئ. هناك عقائد ومبادئ تتصارع على هذه الرقعة من العالم ، هناك قوى ظاهرة تتحرك تحت الشمس ، وقوى خفية تتحرك في الظلام ، والقوى الظاهرة والخفية لم تتوقف يوماً عن محاولات العبث في أمن هذه المنطقة المهمة من العالم ، ولا تريد لها أن تهدأ أو تستقر.

لقد نجح الاستعمار وأعوانه أن يصدروا إلينا"النظرية القومية"، ويغرسوا العنصرية التي ألوت بمجد العرب والترك ، وأضرت بهم محلياً وعالمياً ، وجعلتهم يتسولون القروض والحسنات من الغرب الصليبي والشرق الملحد ، وغادرتهم مجرد صغار لا قيمة لهم ، وسلعاً للمساومة لا حول لها ولا قوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت