خالد ابو الفتوح
في الحلقتين السابقتين طاف بنا الكاتب بين الانحرافات التي أصابت الأمة الإسلامية، وتنقل بنا إلى أنحاء شتى من عالمنا الإسلامي ليرصد حركة التغريب، واليوم نتابع معه بقية الحديث. - ^ -
التوفيقية والإصلاح الديني:
لم تكن العلمانية بهذا السفور لتجد رواجاً في العالم الإسلامي آنذاك، كما أنها في هذا القالب كانت مقتصرة على مخاطبة فئة قليلة في المجتمع ـ وإن كانت ذات تأثير ـ هي فئة النخبة المثقفة إن جاز التعبير، لذا: كان لا بد من وجود أسلوب آخر يضمن قبول العلمانية والتغريب لدى قطاعات كبيرة من المجتمع، ولذا أيضاً كان لا بد من وجود وسائل تتسم بالشيوع والانتشار لضمان وصولها.
نهج غربي مقترح:
ولنترك جانباً في هذا المقام نظريتنا التآمرية، ولندع كبار مخططي (الغزو العلماني التغريبي) في هذه المرحلة يحدثوننا عن النهج المقترح في ذلك، واصلين السابق باللاحق في ذلك لتتضح الصورة جيداً:
يحدثنا أول مندوب سام بريطاني في مصر وأحد أبرز قادة الحملات التغريبية على العالم الإسلامي في العصر الحديث (إفلن بارنج) المعروف بـ (اللورد كرومر) عن أهداف الإنجليز (الحضارية!) فيقول: «المصريون يتمسكون تمسكاً تاماً بالإسلام الذي هو أحد الكلمات المرادفة للوطنية في الشرق، والإنجليز لا يهدفون إلى نشر المسيحية ولكنهم يريدون نشر حضارة تقوم على أساس مسيحي» (1) ، فإذا كان الأمر كذلك، فما مصير (الحضارة الإسلامية) ؟ يوضح الإجابة لنا الدكتور محمد محمد حسين ملخصاً وجهة نظر المستشرق الإنجليزي المتأمرك هاملتون جب، فيقول: «المقصود من الجهود المبذولة لحمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية هو تفتيت وحدة الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين؛ لأن كل قطر سيتجه إلى اقتباس ما يلائم ظروفه من هذه الحضارة، وعند ذلك تتعدد أساليب الاقتباس بتعدد البيئات الإسلامية المختلفة، فتفقد الحضارة الإسلامية طابعها الموحد، بل لا يعود هناك شيء اسمه (حضارة إسلامية) » (2) ، وفي مقال: (مصر وغربي آسيا) ضمن كتاب: (وجهة الإسلام) الذي أشرف عليه جب يلفت المستشرق الألماني كامبفماير النظر إلى عوامل وحدة هذه الحضارة حتى يمكن التركيز عليها، ويلخصها الدكتور محمد محمد حسين في ثلاث نقاط: «أولها هي: أهمية الكتلة العربية وخطورتها في نظره، وثانيها هي: أن أهم العوامل التي تستمد منها هذه الكتلة وحدتها هي: اشتراكها في اللغة العربية الفصحى، واشتراكها في العناية بالتراث الإسلامي القديم وتاريخه وأدبه، وثالثها هي: ما يستتر وراء كلامه من أنه يتمنى أن يحدث في مصر ما حدث في تركيا من قطع كل صلة بالماضي الإسلامي واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية» (1) .
وهنا يتبين أن المعركة الفكرية ستدور حول عدة محاور: الهجوم على اللغة العربية الفصحى لغة القرآن، ويتضمن ذلك: استهداف الحروف العربية التي تعد أداة لوصل الماضي بالحاضر ولربط الشعوب الإسلامية بعضها ببعض، والهجوم على التراث الإسلامي الذي صيغ بهذه اللغة واستنبط من أسس الإسلام وتصوراته ومقوماته لإفساح المجال أمام الثقافة الجديدة بما تحمله من قيم وتصورات مختلفة، أما المعركة السياسية: فتدور حول التفتيت الذي تحدث عنه جب، وبصفة خاصة تفتيت الكتلة العربية المميزة بموقعها المعنوي والجغرافي والتاريخي.
ولكن على أرض الواقع، كيف ستنفذ المخططات التي وضعت لتحقيق هذه الأهداف؟ وكيف سيقضى على العوائق التي تواجه هذا الغزو في ظل وجود خلاف عميق بين الجديد والقديم والغازي والمغزو؟
نعود إلى اللورد كرومر، فقد «لاحظ كرومر وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى...
لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب. ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة.
وقد اتخذت هذه الوسائل طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ـ ومن الإنجليز على وجه الخصوص ـ في طرائق السلوك والتفكير. ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) ، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه على مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر الحضارة الغربية (2) ...