فهرس الكتاب

الصفحة 22091 من 27364

د.محمد العبدة 25/10/1427

هل الديموقراطية قيمة في ذاتها؟ وهل يمكن أن تتحوّل إلى صنم،، ويرفع مفهومها إلى حد لا يقبل النقد؟ بعض الكتاب يجعلها كذلك ويصف إيران بأنها دولة ديمقراطية، بينما الدول العربية ليس فيها مثل هذه الديموقراطية، وإذا سلمنا جدلاً أن إيران فيها ديموقراطية (مع أنها مختزلة بالانتخابات والبرلمان) ، ولكنها مع هذه الديموقراطية فإنها تمارس أبشع أنواع القهر والظلم لأجزاء من شعبها، ومع ممارسة أتباعها لأقسى أنواع الإجرام الذي تخجل منه الإنسانية.

نعم، إن إيران فيها انتخابات وفيها برلمان، وفها مجلس تشخيص النظام. ولكن كل هذه يمكن أن تُلغى بجرة قلم من صاحب ولاية الفقيه ونائب الإمام؛"فالخميني يعلن في بيان له في عام 1988 أن مصلحة الدولة تعلو حتى على الشرائع الإسلامية والفرائض من حج وصوم، وعندما حاول خليفته (خامنئي) أن يفسر هذا الرأي بأنه يعني مصلحة الدولة في إطار الشريعة وبّخه الخميني في رسالة مفتوحة أعاد فيها التأكيد على أن مصلحة الدولة فوق الشريعة نفسها، وأنه يجوز للإمام تعطيل كل نصوص الشريعة لحماية الدولة..."*

إن مؤسسة ولاية الفقيه هي في الحقيقة فوق الدستور وفوق الشعب، وهي المرجع الأعلى لكل السلطات، وهذه المرجعية هي أقرب للإمام المعصوم منه للبشر. فهل هذه ديموقراطية؟ ثم أين الحرية للشعوب الأخرى؟ في إيران: البلوش والتركمان والأكراد والعرب، ليس لهم حرية لأنهم سنة، يتحدث أحد زعماء العرب في منطقة الأهواز أن الدولة الإيرانية لا تقبل تسجيل مواليد العرب بأسماء عربية، وأما قتل علماء السنة من البلوش فهذا مشهور ومعروف، وما يفعله أزلام إيران في العراق فشيء يشيب له الولدان، وهو يمثل انحطاط البشر إلى أسفل سافلين، بل إن ما يفعلونه يمثل السادية بأسوأ أشكالها. فهل سمع الذين يمدحون ديموقراطية إيران كيف يفعل أزلامها بأطفال العراق حين يضعون الطفل في الفرن ليُشوى أمام والديه؟ وهل سمع بفرق الموت التي تمثل بالضحية قبل الموت وبعد الموت؟ وهل سمع بتهجير أهل السنة من بغداد وغير ذلك من أمور أصبحت مشهورة تتناقلها وسائل الإعلام النزيهة، وإذا كان الكلام عن الديموقراطية ففي إسرائيل ديموقراطية، وهي تمارس أشد أنواع الوحشية على الشعب الفلسطيني. وهل تنسينا ديموقراطية أمريكا (ولا مقارنة مع ديموقراطية إيران) ؟ هل تنسينا ما تفعله في العالم الإسلامي من تدمير وقتل وانحياز أعمى للصهيونية؟ وهل تنسينا ديموقراطية بريطانيا (وهي أعرق الديموقراطيات) ما فعلته بالعالم الإسلامي من التقسيم ونهب الثروات؟ هل نغفر لهم خطاياهم لأنهم ديموقراطيون؟ هل سينتصر الإسلام إذا تمّكنت الخرافة والشرك واللاعقلانية التي تحملها إيران ومشروعها الصفوي العقائدي؟ هل انتصر الإسلام عندما تمكن الحشاشون والقرامطة والعبيديون الذين خرّبوا العالم الإسلامي وتعاونوا مع أعداء الإسلام؟

نتحدث هنا عن الديموقراطية، وهذا لا يعني أننا نرضى بالاستبداد، كما لا يعني القبول بالديموقراطية كفكر سياسي شامل مرتبط بالدولة القومية وبالليبرالية والرأسمالية. إن صورة هذه الديموقراطية بدأت تهتز في موطنها لأنها فكرة بشرية، وقد كثرت الكتابات التي تنتقد سلبياتها، ويشعر كثير من الكتاب والمفكرين في الغرب أنها لا تلبي حاجة الإنسان إلى الحرية الحقيقية وإلى الاستقرار، فالناخبون أحرار في لحظة الانتخابات، ثم تعود الأمور إلى استعباد الناس كما يقول (روسو) في العقد الاجتماعي، وقد تحدث أكثر من مفكر وكاتب عن أزمة الديموقراطية، ويبدي (مارتان هايدجلر) تخوّفه حين قال: إننا ذاهبون إلى مأزق. وكتب (سامبسون) عن تشريح بريطانيا في الصميم، ويصف الفيلسوف اليوناني المعاصر (كاستور يادس) النظام السياسي في الغرب بأنه (توتاليتارية) رخوة، وهو لا يرى حلاً للمجتمع الغربي إذا بقيت الأمور على حالها. ولا يظن المؤرخ (توينبي) خيراً في الليبرالية التي ترى التحرر من كل معتقد أو موروث، ويميل إلى أن يرى الإنسانية تسير في طريق محدد واضح، كما هو رأي المؤمنين بالله.

إن رجال الديموقراطية في الغرب تركوا المبادئ ليتحولوا إلى ممثلين للشركات الكبرى، أو يتحولوا إلى وجوه تلفازية، كما يُلاحظ تناقص نسبة المقترعين في الانتخابات، وهذا يعني الابتعاد عن المشاركة السياسية لما يرون من الوعود الكاذبة التي يطلقها النواب، وبعض الكتاب يرى أن الديموقراطية على وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بسبب الاتجاه نحو مجتمع إمبراطوري كتجمع أوروبا ما فوق القومي. والحل برأي مؤلف كتاب نهاية الديمقراطية (ماري غيهنو) هو الحاجة إلى ثورة روحية على حد تعبيره.

والحديث يطول عن أزمة الديموقراطية التي تفصل صندوق الاقتراع على صندوق (الرأس) .

* عبد الوهاب الأفندي:القدس العربي 28-8-1996

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت