فهرس الكتاب
الجواب:
يعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الشائكة، والحساسة في نفس الوقت، لما يحيطه من أمور سياسية خفية، وعواطف جياشة، غير مستعدة لسماع رأي سوى ما تؤمن به، علاوة على المتاجرة بهذه القضية من قبل الساسة الرسميين، أو الجماعات والأحزاب الطامحة للسلطة.
وقد بحثت شبكة"إسلام أون لاين"هذا الملف تحت عنوان:قضية فلسطين اليوم ... رؤية فقهية سياسية، وقد تعددت الآراء في المسألة فيمكنك الرجوع إلى الشبكة المذكورة إذا كان الموضوع يهمك.
ولكن ما أنصح به جميع الباحثين في مثل هذه الموضوعات الحساسة، أن يجمعوا جميع أطراف الموضوع، سواء أكانت شرعية أم ميدانية، وأن لا يبنوا أحكامهم على نبض الشارع.
فالمفتي هنا مقامه مقام القاضي، بل أشد، لأن القاضي يبحث في قضية محددة، وهذا يتكلم في مصير الأمة.
وأنقل إليك ملخصاً عن الموسوعة الفقهية الكويتية عن أحكام الهدنة، لعلك تستفيد به لتكوين رأي ناضج في المسألة -والله يوفقنا إلى سواء السبيل-.
الهدنة
الهدنة في اللغة: السكون: مأخوذ من هدن الأمر، أو الشخص يهدون هدوناً، سكن بعد الهيج، ويقال: هادنه مهادنة: صالحه.
وفي الاستصلاح: عرفها الفقهاء بتعاريف متقاربة، وهي: الصلح على ترك القتال مدة بمال أو بغير مال إذا رأى الإمام مصلحة في ذلك.
وتسمى الهدنة: موادعة، ومعاهدة، ومسالمة، ومصالحة.
مشروعية الهدنة
لا خلاف بين الفقهاءفي مشروعية الهدنة في الجملة ودليل مشروعيتها: الكتاب، والسنة النبوية، وإجماع الأمة.
فمن الكتاب قوله تعالى: { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } التوبة-1-7.
وقوله عز وجل: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } الأنفال-61.
ومن السنة: مهادنته -صلى الله عليه وآله وسلم- قريشاً عام الحديبية عشر سنين.
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على مشروعية الموادعة مع غير المسلمين في الجملة وهي جائزة لا واجبة، وقد تجب لضرورة كأن يترتب على تركها إلحاق ضرر بالمسلمين لا يتدارك.
شروط عقد الهدنة
يشترط في صحة عقد الهدنة شروط وهي:
الشرط الأول: الإمام أو نائبه:
اختلف الفقهاء فيمن له ولاية عقد الهدنة على رأيين:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء"المالكية والشافعية والحنابلة"، أن يكون العاقد للهدنة هو الإمام أو نائبه، فلا يصح أن يعقدها غير الإمام أو نائبه، لما فيها من الخطر، ولأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هادن بني قريضة بنفسه، وهادن قريشاً بالحديبية بنفسه، وأمنّ صفوان بن أمية عام الفتح بنفسه.
ولأن الإمام لإشرافه على جميع الأمور العامة أعرف بمصالحها من أشتات الناس، ولأن تجويزه لغيره يتضمن الجهاد وفيه افتيات على الإمام.
ولأن عقد الهدنة من تصرفات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بصفة الإمامة دون غيرها من تصرفاته -صلى الله عليه وآله وسلم- كالتبليغ، والفتوى والقضاء.
وكل ما تصرف عليه الصلاة والسلام بصفة الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام إقتداءً به -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة يقتضي ذلك.