درج أهل الأهواء والبدع والافتراق على تسمية احتساب السلف الصالح على أهل الأهواء والبدع والافتراق والتحذير من بدعهم وحماية عقيدة الأمة منها:
ظلماً وعدواناً وحجراً وكتماً للحريات ، وإرهاب المخالف ، واستعداء عليه ، وكان من أبرز هذه المزاعم: دعوى أن السلف الصالح أهل السنة ظلموا الفرق 63 ، وأنهم بإنكارهم للبدع والمحدثات يفرقون المسلمين ، وقد جهل هؤلاء أو تجاهلوا أنه قد ثبت في النصوص القاطعة أن هذه الأمة - كسائر الأمم السابقة - ستفترق ، وأنه ستبقى طائفة واحدة من ثلاث وسبعين على الحق . كما قال الله تعالى: { وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك } َ (هود: من الآية118 - 119) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم ) )64، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من البدع والمحدثات والأهواء والافتراق ، وأخبر عن دعاة السبل وحذر منهم ، ومن دعاة الضلالة ، وأمر الله تعالى بالاعتصام بحبل الله ، ونهى عن التفرق فقال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } (آل عمران: من الآية103) ، وأمر صلى الله عليه وسلم بالجماعة والسنة ، ونهى عن الفرقة والبدعة ، وقد استجاب السلف الصالح - الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان - لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وصدقوا خبره وأخذوا بوصيته ، وقاموا بواجب النصيحة في نشر السنة والنهي عن البدع والتحذير منها وحماية الأمة غوائلها واستجابوا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) )65 .
فإن البدع أعظم المنكرات بعد الشرك ، وجهود السلف في هذا الصدد مشهورة ، ومن ذلك:
• ... لما حدثت الردة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم قيض الله لها أبا بكر -رضي الله عنه- فوقف وقفته الحازمة المشهورة التي كسر الله بها موجة الردة ، وأعز الله بها الدين ، وأيده على ذلك الصحابة بإجماع وناصروه .
• ... ولما ظهرت بعض بذور البدع في عهد عمر - رضي الله عنه -: كالكلام في القدر ، والاحتجاج على المعاصي ومتشابه الآيات ، فأقام عمر معوجها بدرته المشهورة فأدب صبيغاً لخوضه في الآيات المتشابهات 66، وأدب الأمة كلها عندها هدد النصراني القدري - بطريريك الشام - حينما زعم أن الله لا يضل من يشاء ، كما أدب عمر - رضي الله عنه - الأمة كلها كذلك بقطع شجرة الحديبية لقطع دابر البدع 67ونهى الذين كانوا يرتادون مواطن محددة للتعبد عندها مما لم يرد به الشرع 68
ونهر كعب الأحبار ، وقال له: (( لقد ضاهيت اليهودية ) )حينما أشار كعب أن يصلي عمر إلى الصخرة في بيت المقدس 69
• ... وأدب على - رضي الله عنه - الشيعة الغلاة ، وحرقهم في النار حينما علم أنهم يغلون فيه ويقدسونه 70وأمر بجلد المفترية من الشيعة الذين فضلوه على أبي بكر وعمر 71.
• ... ولما ظهرت الخوارج قيض الله لها سائر الصحابة وعلى رأسهم عليّ - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنهما - فأقاموا عليهم الحجة ، وبينوا لهم المحجة حتى رجع منهم من كان يريد الحق ، وأصر أهل الأهواء على بدعتهم . فقاتلهم الصحابة احتساباً وامتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمعاً لبدعهم ، وحذروا منهم ومن مجالستهم .
• ... ولما ظهرت القدرية في النصف الثاني من القرن الأول تصدى لها متأخروا الصحابة كعبد الله بن عمر ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وواثلة بن الأسقع - رضي الله عنهم - , وكان من أشدهم على القدرية ابن عمر ، الذي حذر منها وأنذر ، وكشف عوارها , وحذر من معبد الجهني رأس القدرية وأصحابه ، ونهى عن مجالستهم ومخالطتهم والتلقي عنهم ، وكذلك ابن عباس وكذلك لما أعلن غيلان الدمشقي بدعة القول بالقدر تصدى لها التابعون وعلى رأسهم مجاهد ، والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وريحانة الشام الأوزاعي ، لكنه أصر على بدعته حتى قتله هشام بن عبد الملك لبدعته ، وقد زعم أهل الأهواء أن قتله كان سياسياً ! وهذا ضرب من الحكم على القلوب والنوايا التي لا يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه واتهام للنيات ، والعدول عن الأمر البيّن المشهور الثابت عن الثقات إلى الظنون والأوهام والمشتبهات .
• ... ثم اعتزلت المعتزلة الأولى وعلى رأسهم واصل بن عطاء ، وعمر بن عبيد ، فتصدى لهم أئمة السنة أمثال: الحسن البصري ، وأيوب السختياني ، وابن عون ، وثابت البناني ، وابن سيرين ، وحماد بن زيد ، ومالك بن أنس وأبي حنيفة ، وابن المبارك،وهكذا كلما كثرت حشود البدعة تصدت لها جحافل السنة .
• ... ولما نبغت الرافضة قيض الله لها أمثال: الشعبي والشافعي وعبد الله بن إدريس الأودي وغيرهم .
• ... ولما برز رأس الجهمية الجهم بن صفوان ، تصدى له سائر أئمة السلف: كالزهري ، ومالك ، وأبي حنيفة ، ثم عبد الله بن المبارك ، وأمثالهم .
• ... ثم لما نبغ بشر المريسي - رأس الجهمية في زمانه - تصدى له أمثال عثمان بن سعيد الدارمي ، والشافعي ، والكناني .
• ... ولما احتشدت حشود الأهواء زمن المأمون وبعده من الجهمية والمعتزلة ومن سار على نهجهم ، وعلى رأسهم ابن أبي دؤاد ، تصدى لهم إمام السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل ، فكسرهم كسرة لم ينهضوا بعدها إلا متعثرين بحمد الله .
• ... ولما تجمعت فلول الجهمية المعتزلة في آخر القرن الثالث ، وصالت صولتها ، قيض الله لها أبا الحسن الأشعري ، وكان الخبير بعوارها ، لأنه كان معتزليا فهداه الله للسنة ، فحشر المعتزلة في قمع السمسمة - كما قيل - وكسرهم ، فانهزموا هزيمة منكرة .
• ... ولما نبغت نابغة الكلام وريثة الجهمية والمعتزلة ، وبدأ أهل الكلام يخوضون في صفات الله تعالى والإيمان والقدر ، تصدى لهم أئمة السلف في القرنين الرابع والخامس الهجريين: كالبربهاري ، وابن خزيمة ، وابن بطة ، والهروي واللالكائي ، وابن مندة ، والملطي ، والصابوني ، والآجري وابن وضاح ، والبغوي ، وابن عبد البر ، وأمثالهم .
• ... وفي القرن: السادس والسابع والثامن الهجرية ، عمت البلوى بالبدع والأهواء والافتراق ، وهيمنة الفرق في سائر البلاد الإسلامية ، واستحكمت الصوفية ببدعها ، وساد الكلام والفلسفة والباطنية والدجل ، وتسلط الكفار على كثير من بلاد المسلمين في الشام وغيرها .
فقيض الله أمثال: الشاطبي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ( كابن القيم والذهبي وابن كثير وابن رجب ) فتصدى شيخ الإسلام لجحافل البدع وعساكر الضلالة وجاهد في كل ميدان بلسانه وقلمه ويده ، فقد تصدى لأهل الكلام ، والفلاسفة ، والباطنية ، والصوفية ، والرافضة واليهود ، والنصارى ، والصابئة
كما كان مجاهداً بعلمه ولسانه وسيفه للكفار والتتار والنصارى الصليبيين والبغاة ، وكان يشجع المسلمين على الجهاد في كل ميدان ، وله في ذلك إسهامات مشهورة مشهودة .
وكان ناصحاً لولاة المسلمين وأئمتهم ، يذكرهم ويعظهم ، ويحثهم على الجهاد ويأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر بحكمة وقوة ، كما كان ناصحاً لعامة المسلمين وعلمائهم ، وكان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ، هو وأتباعه يصدع بذلك ، ولا يخاف في الله لومة لائم ، حتى أبان الله به سنة ، ونصر الله به راية السلف ، وكشف الله به أهل البدع وعقائدهم ومناهجهم ، وحتى أقام الحجة ، وأبان المحجة ، ونصر الملة ، ولا تزال آثاره ومؤلفاته مرجعاً لكل صاحب سنة ، وقذى في عين كل صاحب بدعة ، وفيها فرقان بين الحق وأهله ، وبين الباطل وأهله ، رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .
-وفي العصور المتأخرة: استحكمت البدع والشركيات ، وانتشرت الطرق الصوفية والمقابرية والعادات الجاهلية حتى في جزيرة العرب . فتصدى لها ناصر السنة وقامع البدعة: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه فطهر الله بدعوته المباركة أرض جزيرة العرب خاصة الحجاز ونجد وما حولها من البدع والشركيات والمقابرية والصوفية الضالة ، كما نفع الله بدعوته سائر أقطار المسلمين ، حيث اعتزت بها السنة وأنصارها ، وانتصرت السلفية ، واحتمت وآوت إلي ركن شديد ، حيث قامت لها وعليها دولة نشرتها وحمتها بالسيف والقلم وهي الدولة السعودية أعزها الله بالإسلام ونصر السنة وأهلها .
ولا نزال - بحمد الله - نرى ثمار هذه الدعوة في كل مكان ، رغم تكالب جحافل البدعة ، وما أجلبوه عليها بخليهم ورجلهم: بالسب ، والهمز ، واللمز ، وإعلان العداوة ، وصد الناس بشتى الوسائل ، والله غالب على أمره .
ولما نبغت نابغة ( سب السلف ) في القرن الماضي ( الرابع عشر الهجري ) على لسان الكوثرية ، معلنة انتقاص بعض أئمة السلف ، ورافعة راية الكلام والتجهم ، واتهام السلف وأتباعهم ، ورميهم بالألقاب المشينة والألفاظ المقذعة مثل: ( الحشوية ، والمشبهة ، والحمقى ، والجهلة ، والأوباش والرعاع ) قيض الله لهم أمثال: المعلمي ، والألباني ، وبكر أبو زيد ، وسائر مشايخنا حفظهم الله .
-ولما أخرجت البدع أعناقها في البلاد الطاهرة على يد أحد المنتسبين للعلوية وأتباعهم ، تصدى لها طائفة من المشايخ وطلاب العلم وفقنا الله وإياهم ، ولا يزال مشايخنا لهم جهود مشكورة في هذا المضمار ، وفقهم الله وسدد خطاهم ، والآن وقد بدأ ( نبّاشة القبور ) يثيرون المتشبهات ويشككون أبناء المسلمين بالمسلّمات ، وينهشون علماء السلف , وينبِّشون في كتبهم عن الزلات ، ويطعنون في سلف الأمة ويبكون على أطلال الفرق والبدع ، ويمجدون رؤوس الضلالة والأهواء ، ويرددون مطاعن الزنادقة في خيار الأمة ، وإنّا لمنتظرون - تحقيقاً لوعد الله بحفظ دينه - من يتصدى لهذه النابتة الخبيثة كفانا الله شرها . ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ومما ينبغي التنبه له ، أن أهل الأهواء - قديماً وحديثاً - يضيقون ذرعاً بإنكار البدع والتصدي للمبتدعة ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويجعلون ذلك - حسب موازينهم التي تقوم على الأهواء - من الظلم والشتم والسب ، والحجر ، وكتم الحريات ، والاستعداء ضد الخصوم ، والتضييق على المخالفين .
ويتهمون السلف الذين ينهون عن البدع والآثام ويحذرون منها ومن أهلها: بالتكفير والتبديع والتفسيق ونحو ذلك ، وكل ذلك من التلبيس والبهتان ، فإن هذه أحكام شرعية يطلقها المجتهدون من العلماء الثقات على من يستحقها شرعاً ، حسب اجتهادهم ، وقد يخطئ الواحد منهم ، لكن ليس ذلك من منهجهم .
ولذلك فإن أهل الأهواء يتهمون السلف بالسب والشتم واللعن ونحو ذلك من هذا المنطق ، أعني أنهم يسمون إطلاق الأحكام الشرعية من الكفر والبدعة والفسق ونحوها على من يستحقها شرعاً:شتماً ولعناً وسباً وهذا هو منهج أعداء الرسل في كل زمان.
مع العلم أن السب للكفر والشرك والبدع والأهواء والفسوق مشروع ومطلوب شرعاً بالضوابط الشرعية . وقد جاء ذلك في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما كان يأمر بالتوحيد ، كان كذلك ينهى عن الشرك ويذم عبادة الأصنام والأوثان ، وقد وصفه المشركون بأنه صلى الله عليه وسلم حين ينهى عن الشرك ( يسبُّ آلهتهم ) وهو سبٌ مشروع ومن دعائم الدين الكبرى في كل زمان .