المقدمة
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
أصدر الدكتور ساسي سالم الحاج عام 1990م كتاباً من مجلدين وأربعة أجزاء كتاباً بعنوان (الظاهرة الاستشراقية) ( [2] ) وقد ضمنه الحديث عن الاستشراق في مختلف مجالات العلوم الإسلامية. وقد ناقش الحاج مسألة هل الاستشراق ظاهرة أو علم وأكد بأنه من الصعب أن نعد الاستشراق علماً ذلك أن كل علم له أصوله وقواعده ومناهجه بينما نجد أن الاستشراق اهتم بالعلوم الإسلامية المختلفة ابتداءً بالعلوم القرآنية من تفسير وتجويد وقراءات، وعلوم الفقه، وعلوم الحديث، وعلوم اللغة العربية، والعلوم الاجتماعية التي تتعلق بالعالم الإسلامي وبالمسلمين. ومع ذلك فإنه من الممكن أن يستخدم المستشرق المنهج العلمي في طرحه القضايا التي تتعلق بالعلوم الإسلامية وفقاً للعلم الذي يبحثه. ( [3] ) ومع ذلك فمن الممكن أن نقول بأن الظاهرة مسألة لها بداية ونهاية فهل ظاهرة الاستشراق هذه طالت كثيراً جداً.
وإن كنت شخصياً لا أميل إلى التوسع في الجدال حول هل الاستشراق ظاهرة أو علم ذلك أن الذي يهمنا نحن المسلمين أن نعرف ونوقن تماماً أن الغرب يدرسنا في جميع المجالات حتى توصل إلى معرفة التفاصيل وتفاصيل التفاصيل أو كما قال الدكتور أبو بكر باقادر الجزئيات، وجزئيات الجزئيات. ( [4] ) لذلك علينا أن نعمل ونعمل على أن نعرف أنفسنا أولاً ونمثل أنفسنا أمام نفسنا أولاً ثم ننتقل إلى تمثيل أنفسنا أمام الآخرين. ( [5] ) وإن كان هذا الترتيب الذي رآه الدكتور العمري ليس ضرورياً فيمكننا أن نقوم بأكثر من عملية في وقت واحد؛ فيمكن لبعضنا ممن عرف اللغات الأوروبية أن يقوم بعملية عرض الإسلام القضايا الإسلامية أمام الآخرين سواءً كانوا في الشرق أو في الغرب شريطة أن يتميز عرضه بالفهم الجيد للإسلام أن يكون مقتنعاً بقضيته لا أن يكون من العلمانيين أو المتغربين مثل أولئك الذين تستضيفهم بعض الجامعات الأمريكية أو الأوروبية لتدريس الإسلام، فكيف لماركسي أو علماني أو متغرب أن يعرض الإسلام رضاً منصفاً. فنحن مأمورون أن نبلغ هذا الدين للعالم أجمع عملاً بقوله تعالى )قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ابتعن (( [6] ) وقول صلى الله عليه وسلم (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها فربّ مبلغ أوعى من سامع) وقوله تعالى )ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة) ( [7] ) وقوله تعالى)قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا باناّ مسلمون (( [8] )
وأضيف هنا أننا يجب أن ننتقل من مجرد دارسين لما قاله الغرب عنّا إلى أن نعرف هذا الغرب وما دوافعه وما أهدافه وأن نعرف المبادئ والفلسفات التي تحكم حياة الغرب، كما علينا أيضاً أن نواصل دراسة الغرب لنعرفه تماماً كما يعرفنا. ولكن على الذين يتصدون لدراسة الغرب أن يتسلحوا أولا بمعرفة الإسلام حتى يكون في أيديهم الميزان والمعيار الذي يحكمون به على هذه المعرفة. فقد يتولى هذه الدراسات من لا يملك الرؤية الإسلامية فبدلاً من أن ندرس الغرب دراسة نفيد منها ونفيد الغرب نتحول إلى مرددين لما يقوله الغرب عن نفسه بل يصيب بعضنا الانبهار بالغرب فيمدح ما لا يستحق المدح ويذم ما يستحق المدح.
ومما يؤكد هذا أن البعثات السعودية إلى أمريكا في أواخر الستينيات من القرن الماضي عانت أمرين أولهما الصدمة الحضارية والاجتماعية والفكرية، وثانيهما لم تجد المرشد والدليل ليقودها إلى الحقيقة فيما رأت وعاشت. ولا بأس أن أذكر مثالاً شخصياً فقد قرأت رواية (زوربا اليوناني) للروائي اليوناني المشهور كازانتزاكي في أثناء دراستي الجامعية في أمريكا وكنت لم أتجاوز العشرين بكثير فأعجبت بشخصية زوربا الرجل العجوز الذي لا يأبه بسنِّه، ويستمتع بملذات الحياة حلالها وحرامها بينما كان الراوي شاباً في الثلاثينيات من عمره يلتزم بالأخلاق وبالقيم. فكان في نظر كاتب الرواية -وهو الانطباع الذي يتأثر به القارئ وبخاصة إذا لم يكن لديه معرفة بالإسلام- جامداً بليداً.
وفي الوقت الذي ظهرت فيه ترجمة كتاب زوربا اليوناني ظهرت كتابات الروائي والشاعر الألماني اليهودي الأصل هرمن هسه He r man Hesse وكانت من أكثر القراءات شيوعاً لدى الشباب في الجامعات الأمريكية. ولا بد أن انتشارها كان متوافقاً مع ظهور موجة الهبييز والتمرد على قيم المجتمع والفضيلة أو ما سمّيَ ب (الثورة الجنسية) . حيث كانت هذه الروايات تروج للانحلال والتمرد على القيم والأخلاق واغتنام الفرصة (!) لاقتناص لذائذ الحياة .
ولما شاء الله أن أعود إلى المملكة وأقوم بدراسة الإسلام من جديد عرفت أن زوربا اليوناني رجل فاجر لا يأبه بالأخلاق الفاضلة، وكل ما يهمه في الحياة عبادة هواه. وهو الذي قال الله فيه {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم} ( [9] ) وكذلك كان الحال مع هرمن هسه وغيره من الكتاب.