محمد أبو رمان 1/7/1427
أحد الأهداف الرئيسة التي تسعى إليها إسرائيل - بضرب البنية التحتية، وتشريد الملايينن وقتل الناس وترويعهم، وضرب كل معاني الحياة الإنسانية- في عدوانها الحالي على لبنان، يتمثل بترسيخ قاعدة جديدة في العلاقة بينها وبين المحيط العربي، مضمونها أنها قوة إقليمية كبرى مرهوبة الجانب، وأن كلفة أي عملية ضد مصالحها وأمنها ستكون كبيرة ليس على الجهة المنفّذة فحسب، بل على المجتمع الذي يحتضن هذه الجهة، ويوفر لها العمق الإستراتيجي أو الملاذ الآمن.
ما تريد إسرائيل، وأميركا، ترسيخه أنّ قواعد اللعبة الإقليمية قد تغيّرت، بعد الأحداث المفصلية التي شهدتها المنطقة منذ احتلال بغداد، وانهيار ما تبقّى من هياكل النظام الرسمي العربي- وعلى العرب أن يقتنعوا بذلك، وألاّ يقفوا في مواجهة أهداف إسرائيل الإستراتيجية.
هذه"القناعة الإستراتيجية"، التي تريد إسرائيل ترسيخها، لها بعد ثقافي ونفسي لا يمكن تجاهله، بل ثمة دراسات وتوصيات من بعض مراكز الدراسات الصهيونية، في واشنطن، تؤكد على أهمية تكييف الثقافة العربية مع المعطيات الإستراتيجية الجديدة وقمع ثقافة"التمرد"لدى الشعوب العربية. وفقاً لهذا المنطق؛ ليس مهماً أن يقتنع العرب أن الولايات المتحدة أو إسرائيل"قوة محبوبة"، وليس مطلوباً أن تعمل أمريكا على استرضاء الشعوب العربية، بل المهم ترسيخ قناعة عربيّة مجتمعية بأنّ أميركا"قوة مدمّرة"لا يمكن الوقوف في وجهها.
نظرية"تطويع الثقافة العربية"نخبوياً وشعبياً تتبناها بعض روافد مدرسة الاستشراق الجديد في الغرب، ذات الروابط الصهيونية، وقد نادوا بتطبيقها على العراق، ما انعكس على سلوك الجيش الأميركي، وعملية التعبئة النفسية لجنوده، وتعاملهم مع المجتمع العراقي، سواء في معتقل أبو غريب أو العمليات العسكرية والفظائع التي تستهدف المدنيين وانتهاك حرمات الناس و كرامتهم.
مشكلة نظرية"تطويع الثقافة"أنها تتصادم، بامتياز، مع طبيعة"النفسية العربية"وموقفها الحاسم من الاحتلال والهيمنة. فعلى النقيض من دعاوى أصحاب هذه النظرية فإنّ السياسات الأميركية والإسرائيلية تساهم، باطراد مستمر، بتنمية مناخ خيبة الأمل والسخط والغضب الشعبي العارم، الذي يمثل القوة الرئيسة الرافضة للهيمنة الأمريكية اليوم.
في المقابل فإنّ أحد المخرجات الرئيسة لسياسات الهيمنة والاحتلال، والحروب التي تُشنّ في هذا السياق، يتمثل بإضعاف النظم الحليفة للولايات المتحدة، واستنزاف ما تبقّى من مشروعيتها أمام مجتمعاتها، بل والتأكيد على قناعة شعبية أخرى وهي انتهاء صلاحية النظام الرسمي العربي، الذي لا يبدو أن له بديلاً اليوم إلا حركات الإسلام السياسي، سواء استطاعت هذه الحركات الوصول عن طريق العملية الديموقراطية أم العمل المسلح، أو حتى في حالات الفوضى والانقسام كما هو الحال اليوم في العراق.
الحضارات والثقافات تختلف. وإذا كان الصرب استسلموا لمخططات أمريكا وحلف الناتو، بعد ضربات جوية مكثفة (إذ يدعو أمريكيون وإسرائيليون إلى تطبيق سيناريو كوسوفا على الحرب الحالية في لبنان) ، وإذا كانت اليابان استسلمت بعد الحرب العالمية الثانية، وحوّلت جهدها ونشاطها إلى الاقتصاد، وكذلك الحال في ألمانيا الغربية؛ فإنّ الميراث الثقافي والحضاري والتكوين النفسي للمجتمعات والشعوب العربية مختلف تماماَ، فهي عصية على التطويع السياسي والتاريخي، وترفض منطق الاحتلال والهيمنة، بل يتصاعد تمردها بتصاعد سياسات الإكراه الخارجي.
الأمثلة على ما نقوله كثيرة ومتعددة، ولعل العراق نموذج مثالي على ذلك. فبعد حرب أمريكا على أفغانستان كان تنظيم القاعدة يعاني من أحوال متردية في مصادر التأييد والدعم، ولم يكن له وجود فاعل وحقيقي يُذكر، وكان أبو مصعب الزرقاوي هارباً من نار أفغانستان مع عدد قليل من الأنصار. لكن الحرب العراقية الأخيرة منحت القاعدة"فرصة ذهبية"للتجنيد والتعبئة والحركة، ووفد آلاف الشباب العربي إلى بغداد، الذين شاغلوا المشروع الأمريكي إلى أن اكتسبت القاعدة جسداً عراقياً كاملاً. بل يجمع الباحثون والخبراء المتخصصون في تنظيمات القاعدة أنّها أصبحت بمثابة"الماركة المسجلة"لكل من يقاوم ويعارض السياسة الأمريكية، في الوقت الذي تصل فيه نزعة معاداة هذه السياسة في المجتمعات العربية أقصى درجاتها اليوم.
صحيح أنّ نفوذ الحركات الإسلامية الذي يتجذّر اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية، لم يستطع إنجاز تغيير سياسي نوعي، ولم يتمكن من الوصول إلى الحكم في أيٍّ من الدول العربية المعتبرة، إلاّ أنّ مؤشرات المستقبل توحي بإمكانية حقيقية في إحداث هذه الحركات انقلاباً سياسياً تاريخياً، فهي الحركات الوحيدة الصاعدة شعبياً.