إدريس الكنبوري 8/11/1423
برزت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية والحرب الهمجية ضد أفغانستان معالم مرحلة جديدة دخلها العالم ، تتميز في الكثير من عناصرها ومكوناتها عن المراحل السابقة، وهي مرحلة يمكن نعتها بمرحلة"ما بعد الاستعمار"أو"الاستعمار الجديد"، الأكثر تطورا من الاستعمار التقليدي القديم الذي عانت منه الشعوب العربية والإسلامية ودول العالم الثالث المستضعفة، ويمكن نعت المرحلة المتطورة من الاستعمار بأنها"العصر الأمريكي"أو"عصر الصهيونية"كما وصفه محمد حسنين هيكل، عصر يبرز فيه التحالف الأمريكي- الصهيوني والتحالف المسيحي- اليهودي والتقارب الأوروبي- الأمريكي، والروسي- الغربي، بشكل أقوى من السنوات الماضية، وبشكل يتجاوز الجغرافيات السياسية التي اعتادها العالم حتى اليوم، لصالح الاستراتيجية الجديدة التي تحاول الولايات المتحدة كزعيمة للعالم وضعها.
لقد حدد الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر التصور الأمريكي للمرحلة الجديدة، من خلال حديثه عن قيم غربية عرضة للخطر، وعن الإرهاب الذي يستهدف العالم الحر كما قال، وعن قيم الليبرالية الاقتصادية والديمقراطية والحرية بالمفاهيم الغربية التي ينبغي على التحالف الدولي العريض الدفاع عنها، وذهب بعيدا للحديث عن"حرب صليبية"، رغم كونه تراجع عنها في اللحظة الأخيرة، وقسم العالم إلى قسمين بالطريقة المانوية: القسم الخير الذي يقف في صف أمريكا، والقسم الشرير الذي يقف في الصف الآخر الذي وضعه تحت كلمة واحدة هي صف الإرهاب، كما تحدث عن"الشر"الذي ينبغي اجتثاته حتى ينتصر الخير !!
ويذكرنا هذا الخطاب الأمريكي الجديد الذي نشأ عقب الحادي عشر من سبتمبر بالخطاب الاستعماري التقليدي السابق للقوى الغربية العظمى، مثل الدفاع عن حقوق الأقليات وتمدُّن الشعوب المتخلفة وإدخال الحضارة إلى أدغال إفريقيا البائسة، وإخراجها من القرون الوسطى والبدائية إلى الحضارة والتمدن، ونعرف المصير الذي دخلته هذه الشعوب بعد المد الاستعماري في ذلك الوقت، والنتائج الوخيمة التي لا تزال تجرها خلفها بسبب الإرث الاستعماري المظلم الذي كبل حركة سيرها، أما الفارق بين العهد الاستعماري القديم والعهد الجديد فهو في غياب تنافس القوى الكبرى على بقية العالم، واعتراف أوروبي وروسي بالهيمنة الأمريكية كل من زاوية مصالحه السياسية والاستراتيجية الخاصة، وحضور نوع من الترابط المتقدم بسبب العولمة السياسية قبل الاقتصادية، وجنوح هذه العولمة نحو عولمة عسكرية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وتحول مفهوم القانون الدولي إلى"قانون أمريكي"، واختفاء دور الأمم المتحدة بشكل أكبر، وبعد هذا كله ومعه، ظهور منظومات فكرية عنصرية جديدة تحاول إقناع الغرب بوجود"صدام بين الحضارات"و"نهاية التاريخ"التي تتضمن في طياتها القول بنهاية تاريخ الشعوب غير الغربية، وانتصار النموذج التاريخي الغربي والرأسمالية الليبرالية المتوحشة.
أمريكا و"الفرصة السانحة"
قبل سنوات كتب الرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) كتابه"الفرصة السانحة"، ليبشر الولايات المتحدة بزعامة العالم بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي والشيوعية, وقد كان نصيب العالم العربي والإسلامي الأوفر حظاً في هذا الكتاب، لحاجة واشنطن إلى اختراقه بشكل أكبر بعد زوال القطبية الثنائية الدولية التي كانت تقضي بالمحافظة على بعض التوازنات. حدد (نيكسون) في مؤلفه ما يشبه برنامجا شاملا لكيفية التعامل الأمريكي مستقبلا مع المنطقة العربية والإسلامية، ووضع"الإرهاب"الإسلامي على رأس قائمة الأولويات التي على واشنطن التعاطي معها.
ولاشك أن (نيكسون) لم يكن يعبر عن أفكار شخصية، بقدر ما كان يعكس آراء تيار عريض من صناع القرار الأمريكي، ونجد أن جزءاً كبيرا من أفكار كتابه تم تطويره في نظريات"نهاية التاريخ لفوكوياما", و"صراع الحضارات لهنتنغتون"فيما بعد.