عبد الله السهلي 21/1/1427
هاهي أثينا ترسف في أغلال الوثنية. السماء مكفهرة، الجلبة تملأ شوارع المدينة، والجماهير الغاضبة الهادرة تهتف بإعدام سقراط. وفي السجن يفد إليه تلاميذه وعلى رأسهم أفلاطون، لقد تعاطف معه القضاة وأرادوا إطلاق سراحه، بعد أن حُكم عليه بشرب السم، عرض عليه أصدقاؤه مهرباً سهلاًً؛ فقد رشوا الموظفين الذين يقفون بينه وبين الحرية والفرار. لكنه رفض فقد بلغ السبعين من عمره (399 ق م ) ، وربما اعتقد أن الوقت قد حان ليفارق الحياة، وأنه قد لايموت أبداً بمثل هذه الطريقة المفيدة لتدعيم مبادئه، وقال لأصدقائه:"افرحوا إنكم توارون في التراب جسدي فقط"ثم التفت إلى السجّان وقال:"أنت يا صديقي السجّان المجرب في هذه الأمور، هل تدلني كيف أفعل؟ وكيف أتقدم في شرب السم؟ فقال السجان وهو يتألم لحاله ويغالب دموعه": بعد أن تحتسي السم عليك أن تمشي فقط إلى أن تشعر بثقل في قدميك فتستلقي، وبهذا يسري السمّ في جسدك"فيفعل سقراط ليموت بين أصدقائه بهدوءٍ."
ما جرم سقراط ؟! وما جنايته التي ارتكبها!؟ وما الذنب الذي اقترفه؟!
لقد كانت جريمته أنه كان عابداً متألّهاً مجاهراً بمخالفة قومه في وثنيتهم، بل وقابلهم وناظر رؤساءهم في بطلان عبادتهم. لقد كانت جريمته أنه كان موحداً وهو الذي يقول: إن الله إله كل شيء وخالقه ومقدره، وكان يقول: إن أخص ما يوصف به الرب سبحانه وتعالى كونه حياً قيوماً. قال ابن القيم: وبالجملة فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل، وكذلك تلميذه أفلاطون كان معروفاً بالتوحيد منكراً لعبادة الأصنام، لكنه لم يجاهر قومه بهذا كما فعل أستاذه، فسكتوا عنه وكانوا يعرفون له فضله وعلمه.
أما أرسطو تلميذ أفلاطون فتنكب طريق أستاذه، فقال بقدم العالم مخالفاً أساطين الفلاسفة قبله، وعبد الأصنام، وهام في وثنية الإغريق، وفرقته من الفلاسفة يُسمّون المشائين، وهي فرقة شاذة كما حكاه ابن رشد في مناهج الأدلة. وسبب ذلك ما ذكره طائفة ممن جمع أخبارهم أن أساطين الأوائل كفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام، ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بعده من أصحاب داود وسليمان، وأن أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء، ولم يكن عنده من العلم بإثارة الأنبياء ما عند سلفه، وكان عنده قدر يسير من الصابئة الصحيحة، فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية، وصارت قانوناً مشى عليه أتباعه. ذكره ابن تيمية في الرد على المنطقيين.
أرسطو هذا المسمى المعلم الأول تلقف ابن سينا كتبه وتتلمذ عليها، وكان ابن سينا من القرامطة الباطنية، وقد تميز في الطب لكنه أخفق في الإلهيات فقد جمع خرافات الباطنية وضلالات الإغريق.
كما تبنى هذه الفلسفة غير ابن سينا كالكندي والفارابي وإخوان الصفا هذه الجماعة السرية التي كانت تزعم اختلاط الشريعة بالضلالات، ولا سبيل إلى تطهيرها إلا بالفلسفة اليونانية. وتأملوا كيف يُعاد التاريخ والأحداث والمقولات في أطروحات الليبرالية، وربيبتها المدللة العصرانية. كيف لا ؟! والفكر الإغريقي من أقوى الروافد لليبرالية المعاصرة؛ إذ تُعتبر هذه الأخيرة سليلة ثلاثة أصول الفكر الإغريقي والفكرة الرومانية والديانة المسيحية. أفلا يفقه هذا الليبراليون العرب؟!! ولك أن تتأمل موضوع الإنسان والإنسانية كنموذج ودليل على ماسبق؛ فالإنسان في الفكر الإغريقي هو موضوع تأمله وفلسفته حتى قالوا: إن الإنسان هو المقياس الوحيد الذي يُقاس به كل شيء في الكون، وباختصار الإنسان مقابل الكون والوجود والقوة العليا وقد يحاربه القدر الأعمى، وقد يسقط ولكن سقوط أبطال التراجيديا، بل أكسبوا حتى آلهتهم ثوباً إنسانياً. ولاغرو ولاعجب!! فالفلسفة ظاهرة طبيعية للأمم والمجتمعات الوثنية تحاول من خلالها الإجابة عن الأسئلة الكبرى في الحياة والتي تظل حائرةً دون قبسٍ من نبوة!!
ولعله بعد هذا يتضح قدم الأطروحات المشبوهة التي تصم أذاننا بين الفينة والأخرى، إنها باختصار اجترار للإرث الفلسفي الإغريقي، ومن تأثر به من معتزلة أو متكلمين!! الذين جنَوْا على العقل أعظم جناية عندما جعلوه يهرول في غير ميدانه، وافتعلوا في ذلك الخصومة بين العقل والنقل. بعد هذا قد يزول تعجّبنا عندما نسمع من يقول بتنقية التراث الإسلامي يعني به القرآن والسنة، أو من يقول: أنا أدين بدين الإنسانية!! لذا فالليبرالية والحداثة لا جديد فيها!!
عذراً (ول ديورانت) على اقتباس عنوان كتابكم القيّم قصة الفلسفة.