محمد قطب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ الأنعام:153]
صدق الله العظيم
مقدمة
"هلم نخرج من ظلمات التيه . . !"
هذا نداء للأمة كلها التي تنطق بلسانها"لا إله إلا الله ، محمد رسول الله".
إن هذه الكلمة العظيمة هي التي أخرجت هذه الأمة إلى الوجود أول مرة ، وهي التي رفعتها إلى مقام الخيرية على كل أمم الأرض ، وكل أمم التاريخ:
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (1)
وهي التي دفعتها إلى الحركة في كل مجال من مجالات الحياة الإنسانية ، فأوصلتها إلى مرتبة التفوق في جميع الميادين: الحربية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والخُلقية والروحية ، وجعلت لها ذكرا ضخما في الأرض بعد أن كانت على هامش التاريخ !
ولم يكن النطق بلا إله إلا الله هو الذي صنع ذلك كله !
إنما كان هو النطق بها ، واليقين الذي يملأ القلب بحقيقتها ، والعمل بمقتضياتها ، هو الذي صنع كل تلك الأعاجيب التي وعاها التاريخ ، تحقيقا لوعد الله:
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) (2)
لقد كانت الأمة تعيش بكيانها كله في عالم الواقع ، ولكنها تحلق في عالم المثال !
واليوم . . ما أبعد الواقع عن المثال ! بل ما أبعد الواقع عن الحد الأدنى الذي لا يجوز للأمة أن تهبط عنه !
اليوم تخبط الأمة على غير هدى في ظلمات التيه . . إلا ما رحم ربك !
ولقد ابتلى الله أمة سابقة بالتيه: ( أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ) (3) .
وكان سبب ذلك الابتلاء أن تلك الأمة تقاعست عن الأمر الرباني الموجّه إليها لدخول الأرض المقدسة:
( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (4) .
وربما كانت حكمة ذلك التيه أن القوم المستضعفين، الذين تربوا على المذلة للفرعون ، لم يكونوا صالحين لحمل الأمانة المنوطة بهم على الوجه الذي يؤهلهم لتحقيق الرسالة الربانية ، وتحقيق منهج الله في الأرض ، فابتلاهم الله بذلك التيه في تلك الفترة المحددة، التي انتهى فيها ذلك الجيل المستضعف المستذل ، وولد بعده جيل جديد . . ولد في التيه . . في المشقة . . في المعاناة ، فكان أصلب عوداً وأقدر على تحمل المشاق . . فأذن الله له أن يدخل الأرض المقدسة ، ومكّن له في الأرض .
و الأمة الإسلامية اليوم تعيش في التيه . و لكنه تيه معنوي لا كذلك التيه الحسّي الذي عاشت فيه بنو إسرائيل . تيه في الأفكار والمشاعر والتصورات وأنماط السلوك .
وكان هذا ابتلاء لها من الله حين تقاعست عن حمل الرسالة التي حمّلها الله إياها ، وجعل لها فيها خيريتها ، وحدد لها فيها مهمتها:
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (5) .