فهرس الكتاب

الصفحة 13185 من 27364

هبة رءوف عزت**

فرانكلين روزفلت

مما تتميز به الليبرالية الكلاسيكية (والجديدة) مواقفها من الفقر والمساواة الاجتماعية. ينظر الفكر السياسي الفردي إلى الأوضاع الاجتماعية من حيث المواهب وجدية عمل كل فرد على حدة، فيعمل الأفراد ما يريدونه وفي حدود قدراتهم بحياتهم الخاصة. وتعتبر السوق الحرة في سماحها لكل الناس أن يحققوا مصالحهم الخاصة ضمانا للعدالة الاجتماعية، فمن كان لديه القدرة والاستعداد للعمل سوف ينجح (من جد وجد) . ويبدأ كتاب صمويل سميلز كما يبين عنوانه"الاعتماد على النفس (1859) "بالمقولة"السماء تساعد من يساعدون أنفسهم"؛ فقد تبنى المؤيدون لـ"دعه يعمل"تلك الأفكار عن المسئولية الفردية. على سبيل المثال نادى ريتشارد كوبدن (1804 - 1865) -وهو عالم اقتصادي وسياسي إنجليزي- بتحسين أوضاع الطبقات العاملة، ولكن يتم تحقيق ذلك من خلال جهودهم الذاتية والاعتماد على النفس وليس من خلال القانون ونصحهم ألا يركزوا على البرلمان ولكن أن يركزوا على أنفسهم.

وتبلورت مبادئ اعتماد الفرد على نفسه في كتاب"الإنسان مقابل الدولة (1884) "الذي كتبه ألبرت سبنسر (1820 - 1904، فليسوف وعالم اجتماع إنجليزي) . وقد دافع سبنسر بشدة عن مبدأ"دعه يعمل"مستندا إلى حجج استخدامها فيما بعد العالم البريطاني تشارلز دارون (1809 - 1882) في كتابه"في أصل الأنواع (1859) ". وضع دارون نظرية التطور التي تفسر التنوع في المخلوقات على الأرض؛ فهو يرى أن كل نوع من المخلوقات يمر بسلسلة من التغيرات العشوائية الجسدية والعقلية. وبعض هذه التغيرات ساعدت على بقاء ونجاح النوع، ولكن غيرها استحال لها البقاء. خلقت المخلوقات على الأرض في نطاق واسع، ولكن كثيرا منها انقرضت؛ فإنها عملية"الانتخاب الطبيعي"التي تحدد النوع الصالح للبقاء ومن هو غير ذلك.

وبالرغم من أن آراء دارون كانت تقتصر على العالم الطبيعي فإنها استخدمت في صياغة نظريات اجتماعية وسياسية. ويعتقد سبنسر مثلا أن عملية الانتخاب الطبيعي تسري أيضا على المجتمع الإنساني الذي يتسم بمبدأ"البقاء للأصلح"، فصور المجتمع على أنه ساحة لنزاع الأفراد للبقاء، فمن كان أكثر تكييفا للطبيعة صعد إلى القمة بينما يسقط إلى القاع من كان أقل تكييفا. فإن التفاوت في الثروة والوضع الاجتماعي والنفوذ السياسي أمر طبيعي وحتمي يجب ألا تحاول الحكومة التدخل فيه؛ فدعم ومساعدة الفقير أو العاطل أو المحروم هو تحدٍّ للطبيعة نفسها. وقام وليم سمنر (1840 - 1910، وهو تلميذ سبنسر) بكل جرأة يعبر عن هذا التفكير عام 1889 بقوله:"السكير في البالوعة هو المكان الذي يحق أن يكون فيه".

وتتعارض الدارونية الاجتماعية في الفكر الليبرالي مع فكرة الرفاهة الاجتماعية. إذا وفرت الحكومة المعاشات والإعانات والتعليم والعلاج المجاني؛ فذلك سيساعد الفرد على الكسل، وسيحرم من احترام نفسه، ولكن إذا تم تشجيع الناس على الاعتماد على أنفسهم فسوف يتمتعون بالإحساس بالكرامة، وسيصبحون عناصر منتجة في المجتمع. ولم تقتصر هذه الآراء على القرن 19، بل امتد أثرها إلى اليمين الجديد في أواخر القرن 20. فسعت إدارة ريجن إلى دعم"أيديولوجية الحدود"التي تؤكد على الاعتماد على النفس وعقد المشروعات. وكذلك هاجمت حكومات تاتشير وماجير في المملكة المتحدة"ثقافة التبعية"التي شجعتها حكومة الرفاهة، وتبنت بدلا منها"ثقافة المشروعات"على الطريقة الأمريكية.

يطلق على الليبرالية الحديثة في بعض الأحيان ليبرالية القرن 20. تماما مثلما ارتبط ظهور الليبرالية الكلاسيكية بالرأسمالية الصناعية في القرن 19، تعلقت الليبرالية الحديثة بالتقدم في التنمية الصناعية والتي جلبت معها ثروات مهولة للبعض، ولكن صاحبها انتشار العشوائيات والفقر والجهل والمرض. وأصبح من الصعب التغاضي عن التباين الاجتماعي المتمثل في أوضاع طبقة العمال التي أصبحت الطبقة المحرومة من جراء الأجور المنخفضة والبطالة، وتدني ظروف العمل والظروف المعيشية. وكانت لهذه الأوضاع الأثر على الليبرالية البريطانية منذ أواخر القرن 19، ولم تظهر آثارها في الدول الأخرى إلا فيما بعد؛ فمثلا في أمريكا لم تتأثر الليبرالية الأمريكية بها إلا في الثلاثينيات عند حدوث أزمة الركود الاقتصادي. ففي ظل تلك التغييرات التاريخية كان من الصعب أن يتمسك الليبراليون بمقولة: إن الرأسمالية الصناعية جلبت معها الرخاء والحرية للجميع. ونتيجة لذلك بدأ مراجعة المبادئ الأولى التي تزعم أن السعي وراء المصالح الشخصية بدون قيود يؤدي إلى وجود مجتمع يتمتع بالعدالة الاجتماعية. وتزايد الهجوم على الفردية الاقتصادية وأعاد الليبراليون النظر في موقفهم إزاء الدولة. وأصبحت النظرية الكلاسيكية بخصوص الدور المحدود للحكومة غير قادرة على حل مشكلات التفاوت الاجتماعي وغياب العدل في المجتمع المدني. ومن ثَم بدأ الليبراليون الجدد في تشجيع سياسة التدخل الحكومي والدور الفعال للدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت