د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أكاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام
للبابا"بنديكت السادس عشر"أقول هذا نموذج بسيط للصورة التي نقلها تاريخكم عن تحرك أجدادكم بدوافع دينية صليبية، صورة لا أفهم كيف تجاهلتموها في محاضرتكم تلك
كنت أسابق الساعات لأجلس أمام الحاسوب لعلي أتمكن من تدوين سعادتي بما سمعته مؤخرا على لسان أحد القائمين على الأمر في البلاد، إلا أن ذلك بدا لي محالاً مع وصول رسالة جوال ألقت علي خبراً كان كالصاعقة، فقد نقلت ما كان من رأس الفاتيكان والقائم عليها"البابا بنديكت السادس عشر"الذي قام - هو نفسه- بتطاول سافر على ديننا وعلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فعل ذلك من خلال محاضرة له ألقاها أمام حشد من الأكاديميين في جنوب ألمانيا، كان يفترض منه وحسب ما هو مقرر ألا يخرج عن مضمون المحاضرة المحدد بعنوان (الإيمان والمنطق) إلا أنه اختار نقل قول لإمبراطور بيزنطي وجهه لرجل فارسي جاء فيه: (أرني ماذا قدم محمد من جديد، وسوف لن تجد إلا أموراً شيطانية وغير إنسانية، مثل التي دعا إليها بنشر الإسلام عن طريق السيف) ! وهذا جزء مما ناله ديننا الإسلامي على لسانه في تلك المحاضرة.
إلا أن علاقة الكنيسة التاريخية مع الإسلام كانت دائما علاقة يشوبها الظلم والتعسف من الطرف المسيحي بطبيعة الحال، وما الحروب الصليبية عن التاريخ الإنساني ببعيد، ولا القدس المدينة المقدسة التي نهبت عن بكرة أبيها على أيدي جيوشكم تلك محل جدال، الجيوش التي ما كانت لتتحرك إلا والصليب قد علق على رؤوس جنودها، وما كانت لتقبل بجنود لا يرتدون ثياباً طرزت الصلبان بلون أحمر على أكتافها وصدورها، كان عليهم أن يتذكروا دوما أن أساس تحركهم ودوافعهم دينية صليبية.
فلنر معا وعلى لسان مؤرخين غربيين ما كان من جنودكم الصليبيين عند دخولهم القدس، لندع التاريخ الصليبي يرد على بابا الفاتيكان، الذي يظهر أنه قليل الاطلاع على تاريخ سطر حروفه الدموية رجال سفكوا باسم الصليب ودمروا باسمه وأجرموا باسمه، بل وتراقصوا على جثث ودماء الشهداء والقتلى باسمه، وهاهم اليوم يتطاولون على ديننا وعلى رسولنا المبعوث رحمة للعالمين باسمه، وأحمد المولى سبحانه أنهم فعلوا ذلك باسم الصليب لا باسم نبي الله عيسى عليه السلام.
وللبابا دون غيره أنقل وصفاً لذلك اليوم الذي غرقت فيه طرقات القدس على يد الصليبين بدماء أهلها من مسلمين ويهود ونصارى، وصفاً نقله لنا كتاب لا يمتون للإسلام بصله ـ كتاب شرفاء تحروا الحقيقة في أقلامهم، ودونوها بتجرد كامل، إليك أيها البابا ما جاء به (ستيفن رنسيمان) في كتابه"تاريخ الحروب الصليبية"عما حدث في القدس يوم أن دخلها هؤلاء، فقد قال: (وفي الصباح الباكر من اليوم التالي اقتحم باب المسجد ثلة من الصليبيين، فأجهزت على جميع اللاجئين إليه، وحينما توجه قائد القوة(ريموند أجيل) في الضحى لزيارة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه، لقد تركت مذبحة بيت المقدس أثرا عميقا في جميع العالم، ومع أنه ليس معروفا بالضبط عدد ضحاياها، غير أنها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود؛ بل إن كثيراً من المسيحيين اشتد جزعهم لما حدث).
أما"غوستاف لوبون"فقد أكد تلك المجزرة، في كتابه"الحضارة العربية"نقلا عن روايات رهبان ومؤرخين، ممن رافقوا الحملة الصليبية على القدس، فكان من هؤلاء الراهب"روبرت"الذي استحسن سلوك قومه ووصف ذلك بقوله: (كان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، كانوا كاللبؤات التي خطفت صغارها! كانوا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إربا إربا، كانوا يشنقون أناسا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعا ذهبية! فيا للشره وحب الذهب، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث) ، كما نقل عن كاهن أبوس (ريموند داجميل) الذي تباهى بدوره بما قام به قومه بقوله: (حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقد قطعت رؤوس بعضهم، فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم، وبقرت بطون بعضهم؛ فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار؛ فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا... لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها. ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأتقياء بذلك، إذ عقدوا مؤتمرا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى - الذين كان عددهم ستين ألفا - فأفنوهم عن بكرة أبيهم في ثمانية أيام، و لم يستبقوا منهم امرأة ولا ولدا ولا شيخا) .