وقد وصف كثير من المؤرخين أحداث المذبحة التي حدثت في القدس يوم دخول الصليبيين إليها، و كيف أنهم كانوا يتباهون لأن ركب خيولهم كانت تخوض في دماء المسلمين التي سالت في الشوارع، وكيف أنهم كانوا يرفهون عن أنفسهم بشيِّ أطفال المسلمين كما تشوى النعاج.
وللبابا"بنديكت السادس عشر"أقول هذا نموذج بسيط للصورة التي نقلها تاريخكم عن تحرك أجدادكم بدوافع دينية صليبية، صورة لا أفهم كيف تجاهلتموها في محاضرتكم تلك، ولا أدري كيف جاز لكم نكران فضل الخليفة عمر بن الخطاب والقائد صلاح الدين وأمثالهما من المسلمين الفاتحين - رضي الله عنهم أجمعين - على الإنسانية جمعاء، كيف جاز لك نسيان سموهم وعلو همتهم، وقدرتهم على العفو والإحسان وهم أعزاء منتصرون، وأنتم مهزومون أذلة؟!
ألم يصف مؤرخوكم ما حدث في اليوم الذي دخل فيه صلاح الدين الأيوبي رحمه الله إلى القدس فاتحا؟! ألم يؤكد هؤلاء المؤرخون أنه لم ينتقم أو يقتل أو يذبح؟! ألم يؤكدوا أن المسلمين الظافرين اشتهروا بالاستقامة والإنسانية؟! فلم يتعرض أحد من المسلمين لنهب دار من دور بيت المقدس؟! ألم ينقلوا لنا حال الأمن والأمان الذي حلا على القدس وأهلها ساعة دخول صلاح الدين إليها؟! ألم يأمر جنوده بمنع كل اعتداء يحتمل وقوعه على المسيحيين من سكان القدس؟! ألم يستجب لطلب الملك العادل الذي تأثر لمنظر الأسرى فطلب إطلاق سراح ألف أسير، فوهبهم له، فأطلق العادل سراحهم على الفور؟! ألم يعلن صلاح الدين أنه سوف يطلق سراح كل شيخ وكل امرأة عجوز؟! ألم يستجب لرجاء النساء النصرانيات وأطلق سراح أزواجهن؟! ألم يبذل العطايا للأرامل واليتامى من قومكم؟!.
ثم كيف تجاهلت وأنت رب الكنيسة الكاثوليكية ما فعل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أجدادكم عندما فتح القدس؟! ألم يعط الأمن والأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم؟! ألم يعاهدهم على ألا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا يكرهون على دينهم؟! ألم ينعموا بذلك كله تحت الحكم الإسلامي؟!
إن هذا هو ما قدمه محمد عليه الصلاة والسلام للإنسانية، وذاك ما قدمتموه على مر تاريخكم القديم وحتى الحديث منه، ثم ألم تطلع على كتاب (العصور الوسطى الباكرة) والذي قال فيه صاحبه"نورمان ف. كانتور": (منذ زمن بعيد تم دحض وتفنيد الأسطورة التي تزعم بأن العرب - المسلمين - اندفعوا بالسيف في يد والقرآن في اليد الأخرى يخيرون شعوب البحر المتوسط بين اعتناق الإسلام أو الموت، فالحقيقة أن المسلمين تسامحوا مع من قهرهم من المسيحيين واليهود... وهكذا لم يحاول المسلمون إجبار رعاياهم على اعتناق الإسلام) .. بالله عليك من منا ينطبق عليه الوصف الشيطاني؟!.