فهرس الكتاب

الصفحة 5011 من 27364

سليمان بن صالح الخراشي

عندما يقدر لك أن تقرأ كتابات ( بني علمان ) أو تتحاور معهم تجد أنهم متشبعون بالنظرة الغربية للدين، وبتاريخهم المعاصر؛ حيث الصراع بين الدين النصراني ( المحرف ) ممثلاً في الكنيسة والعلم المادي.. مما أدى بهم إلى تنحية الدين واستبداله ( بالعلمنة ) ... فهذه النظرة مسيطرة بشكل طاغ على ( بني علمان ) في البلاد الإسلامية، مما أدى بهم إلى المطالبة بعزل الإسلام عن شؤن الدنيا؛ لعلهم يصلوا إلى ما وصل إليه الغربيون!

فهم كما قال الأستاذ محمد قطب في كتابه ( التطور والثبات .. ، ص 266 ) : ( اختفت الحملة الأولى والثانية وظهرت في الأفق دعوة جديدة، هي التي ما تزال قائمة حتى اليوم على يد أولئك"التلاميذ"المخلصين من"المسلمين!"إن أوروبا اليوم متقدمة، وهي ليست متدينة! لقد طرحت الدين جانباً فتقدمت وتحضرت ووصلت إلى القوة والسلطان! ونحن متدينون(!) وفي الوقت ذاته متأخرون! فينبغي أن نسلك الطريق القويم، ننبذ ديننا - كما فعلت أوروبا - فنتقدم ونتحضر ونصل إلى القوة والسلطان! وليس من الضروري أن نكفر ونلحد! إنما يجب أن نسارع إلى فصل الدين عن كل ما له علاقة بواقع المجتمع وواقع الحياة)!!

وفات هؤلاء المخذولين أن التقدم التقني المادي لا علاقة له بالأديان ولا بالثقافات ولا بالمجتمعات.. إنما هو كلأ مباح للجميع، من بذل أسبابه حصله وظفر به؛ كما قال تعالى: (( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً ) ).

وما التجربة الغربية إلا أنموذج واحد من النماذج التي ظفرت بالتفوق الدنيوي حاول ( بنو علمان ) تضخيمه والترويج له؛ لحاجة في نفوسهم!

وتناسوا أو تغافلوا عن نماذج كثيرة غير غربية متفوقة.. لم تمر بحالة ( الفصام النكد ) الذي مر به الغرب بين الدين والعلم.

ومن هذه النماذج البارعة: نموذج ( اليابان ) الذي لا يتحدث عنه ( بنو علمان ) كثيراً!! لأنه يهدم نظرتهم القاصرة؛ حيث استطاعت هذه البلاد أن تبز الآخرين بمن فيهم الغرب في مجال التقنية، مع محافظتها على ( ثقافتها ) في مواجهة الغزو الفكري الغربي - كما سيأتي إن شاء الله -.

وقد أحببت في هذا المقال أن أنقل آراء بعض المطلعين ( العقلاء ) ممن تأملوا أسباب تفوق اليابان وأخذوا منها العبر؛ لعلها تساهم في نقض النظرة التي رسخها ( بنو علمان ) في أذهان المسلمين سنين عدداً، بل حاولوا تطبيقها عملياً على أرض الواقع فباؤوا بالفشل، وخسروا دينهم ودنياهم، فلا هم الذين سلم لهم دينهم، ولا هم الذين الذين نافسوا الآخرين في تفوقهم.

أقوال العقلاء في اليابان:

يقول الدكتور نعمان السامرائي في كتابه ( في أعماق التجربة اليابانية ، ص 10 ) : ( حين أتأمل في التجربة اليابانية أجدها تطرح أكثر من قضية؛ لعل على رأسها: أولاً: لقد أثبتت اليابان بالدليل العملي أنه يمكن انتهاج سبل ووسائل مستقلة للتقدم والتنمية، بعيداً عن الغرب ووسائله وقيمه ونظمه) .

ويقول أيضًا ( ص 99 ) : ( ربما كان الجانب المهم بالنسبة لنا من التجربة اليابانية هو ذلك التطور الواسع مع المحافظة على التقاليد) .

ويقول أيضاً ( ص 16 ) : ( إن التجربة اليابانية في التنمية والتقدم فذة ومثيرة، وهي تهمنا في الشرق الإسلامي أكثر من غيرنا، فقد سجلت نجاحاً باهراً دون أن تدير ظهرها للتراث والدين والنظام الاجتماعي، وقد حافظت وما زالت على الهوية واللغة، وهي تستخدم أصعب لغة في العالم، بحيث يزيد عدد الحروف والصور والرموز على ثلاثة آلاف!، وأن الإملاء الياباني يشكل معضلة من المعضلات، ومع كل ذلك ومع شح الموارد تقدمت ومازالت تتقدم، على حين يطالبنا البعض بالتخلي عن الدين والتراث والهوية مقابل"شيك"بالتقدم رصيده مجرد"حلم"ليس أكثر) !.

إلى أن يقول ( ص 17 ) : ( إن التجربة الغربية في التنمية تجربة إنسانية واحدة ليس أكثر، ويمكن أن يقوم إلى جانبها تجارب ناجحة؛ كتجربة اليابان والصين، دون أن تكون تقليداً حرفياً..) .

ويقول الإداري الاقتصادي حمدي أبو زيد: ( إن اليابان لم يرفض الإصلاحات بصورة كلية، ولكن عمل على تبنيها بصورة تتناسب مع احتياجات العصر الجديد والتقاليد اليابانية الاجتماعية الموروثة ) . ( اليابان: دروس ونماذج ، ص 31) .

ويعترف الأمير طلال بن عبدالعزيز في كتابه ( حوار حول العولمة .. ، ص 35 ) : أن اليابان ( حافظت على هويتها الثقافية في الوقت الذي استطاعت فيه أن تتواءم مع النظام العالمي ) .

ويقول بول كنيدي في كتابه الاستعداد للقرن الحادي والعشرين: ( تتمثل نقاط القوة اليابانية في التماسك الاجتماعي والعرقي، والشعور العميق بالهوية القومية والتفرد الثقافي وخضوع الرغبات الفردية لصالح الجماعة ) . ( نقلاً عن عرض للكتاب في مجلة الجديد، العدد الأول 1994م ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت