فهرس الكتاب

الصفحة 13297 من 27364

ترجمة وتحرير: شيرين حامد فهمي**

بريان يصف الليبرالية الأوربية بالتكنوقراطية

"في العقد الأخير، اجتاحت أوربا موجة عارمة من الكره الشديد - غير المبرر وغير المنطقي xenophobia - تجاه كل ما هو أجنبي، وتجاه كل ما هو غير أوربي". هكذا يرى الباحث الأمريكي"بيتر أو بريان"B r ien' Pete r Oالوضع الحالي في أوربا، وهو أستاذ متخصص في العلوم السياسية بجامعة T r inity بولاية"تكساس"الأمريكية، ووضع يده على حقائق كثيرة ودالة، تؤكد بدورها على مصداقية رؤيته، وتدلل على صدق مقولته. ومن ضمن هذه الحقائق - التي وضع يده عليها ثم وضعها بين أيدينا- استفتاء شعبي حديث، أظهرت نتائجه أن حوالي ثلث الأوربيين يصنفون أنفسهم على كونهم"عنصريين". ومن ضمن هذه الحقائق أيضا، اتجاه عدد متنام ومتصاعد من الناخبين والمصوتين الأوربيين صوب الجناح اليميني المتطرف، ففي فرنسا نجد أن الكتل التصويتية اتجهت بثقلها نحو"جان-ماري لو بان"Jean-Ma r ie Le Pen، وفي النمسا نجدها متجهة نحو"يورج هايدر"Joe r g Haide r ، وفي إيطاليا نجدها متجهة نحو"أومبيرتو بوسسي"Umbe r to Bossi. وفي ذلك يقول"بريان"، في مقال نشره المركز البحثي الأمريكي"معهد أوكلا الدولي" (UCLA Inte r national Institute) :"لم يعد الأوربيون المعتلون بالفوبيا تجاه الأجانب يمثلون هامشا من الخبل أو ضربا من الجنون - كما كان الوضع من قبل - بل صاروا يتقلدون الآن المراكز الخامسة أو الرابعة من نتائج الانتخابات. فها هي دولة ليتوانيا (إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق) تنتخب صورة مصغرة أو مستنسخة من (جان-ماري لو بان) ، وها هي امرأة نمساوية متعصبة لليميني المتطرف يورج هايدر تفوز بـ47.6% من نتائج التصويت النمساوي".

وتعتمد فرضية"بريان"على رفض الزعم القائل بأن أسباب هذه الـxenophobia قد تكمن في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أو قد تكمن في معدلات البطالة المرتفعة التي اجتاحت أوربا في السنوات الأخيرة. فكلا الأمرين لا يضعهما الباحث الأمريكي في الاعتبار، ولا يراهما مفسرا حقيقيا لموجة العداء الأوربي تجاه المهاجرين، وخاصة المسلمين منهم. ويدلل على ذلك قائلا:"إن معدلات البطالة في سبعينيات القرن العشرين كانت أشد وطأة، وعلى الرغم من ذلك لم ينتج عنها هذا النوع من الـxenophobia، هذا بالإضافة إلى أن الـxenophobia لم تنتشر فقط في أعقاب هجوم (القاعدة) في 2001، بل انتشرت قبله".

إذن، ما هو تفسير"بريان"لتلك الظاهرة المستفحلة في أنحاء أوربا؟ هذا ما سيتحدث عنه المقال الماثل أمامنا، من خلال عرضنا لرؤية جديدة حول قضية قديمة.. قضية"المسلمون في أوربا"التي عادت إلى الأضواء ثانية، أو التي كشفت عنها أحداث عالمية، بعد طول غياب. واللافت للانتباه - كما سنرى - هو الحل غير التقليدي الذي يقدمه"بريان"للقضاء على هذه الظاهرة، وهو حل يتعلق بتغيير الليبرالية التقليدية الرافضة للمنظومة الإسلامية على الإطلاق، وتحويلها إلى ليبرالية ما بعد حداثية Postmode r n libe r alism قابلة للإسلام، متعايشة معه، غير متعالية عليه.

رفض الإرث الليبرالي = xenophobia

إن فرضية"بريان"تقوم باختصار على المبدأ التالي: إذا ما تعرض الإرث الليبرالي الأوربي إلى الرفض من قبل أناسٍ، فإن أصحاب هذا الإرث يتحولون إلى أعداء لدودين لأولئك الناس. بلغة أكثر تفصيلية: إن هذا الإرث يعتمد - منذ عصر التنوير في القرن الثامن العشر - على منظومة عقائدية منسجمة ومتآلفة مع مجموعة من القيم العلمانية العقلانية، فإذا ما سرت هذه المنظومة في وسط أناسٍ يرفضون اعتناقها، فإن هؤلاء الليبراليين الأوربيين - أصحاب الإرث الليبرالي - يتحولون إلى كارهين ومعادين لأولئك الرافضين.

إن العقيدة الليبرالية - كما يوضح"بريان"- تقول"بأن المعارضين للنهج الليبرالي يتوقع لهم، في يوم من الأيام، التحول صوب الليبرالية العالمية؛ومن ثم أيضا، فإن فشل المسلمين في التحول الليبرالي، سيؤدي إلى فقدان الإيمان بالليبرالية، واعتناق ما هو ضد الليبرالية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت