د. أحمد عرفات القاضي
تضمن المشروع الأمريكي لإصلاح وعلاج الخلل لدى الأمة العربية والإسلامية فيما عرف بمشروع الشرق الأوسط الجديد، متضمناً ومركزاً على مجموعة نقاط للعلاج يمكن تسميتها الوصفة الأمريكية لعلاج العرب والمسلمين من أمراضهم المزمنة، والتي تتلخص كما يشير التقرير في: الجهل، والتخلف، والاستبداد، والرجعية، وهي أمراض تجعلنا أمة مخاصمة لروح العصر بامتياز.
ومن هنا فإن الإدارة الأمريكية مشكورة لكي تعالجنا من هذه الأمراض المزمنة بعد أن شخصت الداء شرعت فوصفت العلاج، ويتلخص في أربع كلمات: إصلاح التعليم، وبناء مجتمع المعرفة، ونشر الديمقراطية، وبناء المجتمع الحر اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، وإنقاذ المرأة من براثن التخلف والرجعية، تلك هي روشتة العلاج التي كتبها السادة في واشنطن لإصلاح أحوالنا والدخول بنا إلى روح العصر الذي خاصمناه طويلاً.
وبغض النظر عن مدى دقة التوصيف من عدمه فإن الملفت للنظر أن أسيادنا في واشنطن تعاملوا معنا على أننا أمة قاصر لا تستطيع تصريف شئونها، ويجب على الآخرين أن يتولوا هذه المهمة النبيلة كواجب إنساني وحضاري يتطلع به السيد الأمريكي باعتباره راعي شئون العالم والقيم بأمره في ظل العصر الإمبراطوري الجديد.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل لم يكلف السيد الأمريكي النبيل نفسه بأخذ آرائنا في الدواء الذي يجب علينا أن نتجرعه علماً بأن الطبيب الأمين يجب أن يصارح مريضه بطبيعة مرضه، ومدى خطورته، وينصحه بالدواء، والمريض حر في تنفيذ مشورة الطبيب أم لا، ولكن يبدو أن السيد الأمريكي تعامل معنا من منطلق الأبوة، ورأى أننا مازلنا أطفالاً، ولا نعرف مصلحتنا، وبالتالي من واجبه كوصي وأمين علينا يقوم بدور الأب أن يعطينا الدواء الناجع دون مشورتنا.
لقد جاء نشر المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الجديد بجريدة «الحياة» اللندنية في الأسبوع الماضي والذي توجهت به الإدارة الأمريكية إلى قمة مجموعة الثماني التي ستعقد في أوائل الصيف المقبل في ولاية جورجيا الأمريكية طالباً منهم الموافقة على المشروع، والاشتراك في تمويله لاجتثاث جذور الإرهاب في تلك المنطقة التي تهدد أمن العالم الحر واستقراره، كاشفاً عن تصرف الإدارة الأمريكية باعتبارها الموجه لشئون العالم، وصاحب الرأي، والوحيد الذي يجب أن يطاع من قبل جميع الأطراف، وهو ما يدعم حقيقة نزعة الهيمنة والرؤية الأحادية المسيطرة على الإدارة الأمريكية الحالية.
ورغم كثرة الردود التي كتبت في نقد ذلك المشروع باعتباره مشروعاً خارجياً من قبل العديد من الكتاب والباحثين العرب، وكان من أشد الردود قسوة رد الدكتور نادر الفرجاني المؤلف الرئيسي لمشروع تقرير التنمية الإنسانية العربية في العامين 2002/2003 الذي استندت إليه الرؤية الأمريكية في مشروعها لإصلاح الشرق الأوسط الكبير في أكثر من موضع، موضحاً انتقائية الرؤية الأمريكية، وعدم صدقيتها في تعاملها مع تقرير التنمية التي اعتمدت عليه.
وما يهمنا أن نشير إليه في هذا الصدد الوقوف عند بعض القضايا التي وردت في التقرير دون النظر في محتواه لأنه كان ضعيفاً في المحتوى، وفي المنهج، وفي تشخيصه للداء ووصفه للعلاج، وهو ما تناولته أقلام كثيرة بالنقد والتفنيد، ولا يسعنا أن نتمادى في هذا المجال، وهذه القضايا يمكن الإشارة إليها على النحو التالي:
ـ أولاً العنوان الذي حمله المشروع وهو الشرق الأوسط الكبير، وهو ترديد لمقولة الثعلب المكار والصهيوني واسع الحيلة شيمون بيريز صاحب كتاب الشرق الأوسط الجديد الذي نشره منذ فترة طويلة مبشراً بعصر جديد تكون لإسرائيل فيه الهيمنة الاقتصادية على المنطقة، لتقودها نحو عصر جديد من الرفاهية والرخاء، وهو نفس ما تردده الإدارة الأمريكية الحالية في خطتها الجديدة، فهل كان هذا الاتفاق في تحديد العنوان من قبيل المصادفة؟
أم أن هناك أيدي صهيونية عبثت بالتقرير ووجهته نحو غايتها المنشودة سواء بالمشاركة الفعلية في صياغته، أو بالمشورة والتوجيه بين الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية في كل من واشنطن وتل أبيب وهما في أوج التفاهم والتناغم.
ـ ثانياً يفتقد التقرير في تشخيصه لأزمة الأمة العربية والإسلامية إلى المصداقية وذلك بخلوه من أي إشارة لدور الاحتلال سواء أكان الإسرائيلي لفلسطين أو الأمريكي في العراق وأثره على إعاقة التنمية في البلدين وفي توجههما نحو المستقبل وهو بذلك يناقض نفسه.
فكيف يتولى مسئولية الإصلاح وهو في الوقت ذاته يقف في وجه تحقيق هذا الإصلاح باحتلال دولة ذات سيادة تحت حجج ثبت كذبها وزيفها، وربما جاءت تصريحات تشانيز القائد الأمريكي في العراق إلى أن قوات الاحتلال ستبقى في العراق لسنوات مقبلة وليس لشهور فقط طعناً في هذه المصدقية، وكشفاً للنوايا الأمريكية بإطالة بقائها لأكبر فترة ممكنة طبقاً لاستراتيجيات وحسابات أمريكية مما يظهر أن موضوع نقل السلطة في العراق، وإجراء انتخابات ليس سوى تصريحات استهلاكية لكسب الوقت، وامتصاص غضب الشارع العراقي والعربي.