ـ ثالثاً التناقض في حديث التقرير عن ضرورة نشر قيم الحرية والديمقراطية مع واقع الاحتلال الأمريكي في العراق، وما أعلنه مؤخراً الحاكم الأمريكي في العراق بول بريمر برفضه أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع في دستور العراق الجديد بناء على طلب الشعب العراقي، فهل هي حرية وديمقراطية مفصلة بالمقاس، ولا ينبغي أن تشذ عن القالب المطلوب أن تكون فيه؟
أم أنها حرية حقيقة للشعب من حقه أن يضع المرجعية الثقافية والقانونية لدستوره متمشياً مع هويته الثقافية والدينية؟ أم أن تلك الشريعة الإسلامية وتعاليمها من وجهة نظر بريمر ورفاقه في واشنطن كما أعلنوا مراراً وتكراراً كانت مصدر الإرهاب، وبالتالي يجب أن تغيب تماماً من حياة الشعب العراقي وشعوب المنطقة، ومن هنا كان التركيز الأساسي للتقرير على التعليم وضرورة أن يقوم على قيم ومبادئ تؤكد معاني الحرية والتسامح والحوار.
ـ رابعاً لا أدري لماذا أضاف المشروع إلى مفهوم الشرق الأوسط الكبير خمس دول فقط أربع منها إسلامية هي باكستان وأفغانستان وتركيا وإيران والخامسة هي دولة الكيان الصهيوني؟ فلماذا تجاهل المشروع مثلاً دولة بنغلاديش ومعلوم أن خطة المشروع الطموح هي مقاومة التخلف والفقر والمرض باعتبارها الثالوث الذي ينهش في عظام المنطقة فيولد الإرهاب الذي يقض مضاجع السادة الأفاضل في واشنطن علماً بأن بنغلاديش دولة إسلامية ملاصقة لباكستان، وكانت جزءاً منها، وهي من أكثر بلاد العالم فقراً، فلماذا تجاهلها التقرير رغم أنها جزءاً من المنطقة التي تسعى واشنطن لتغييرها؟ ولماذا هذه الدول بالذات؟
ولماذا تتجاهل واشنطن عندما تتحدث عن التنمية في العالم الإسلامي وترجعه إلى ثقافة العصور القرووسطية التي تخاصم قيم الحداثة والحرية والديمقراطية تركز على نماذج الفشل وتجاهل بصفة مستمرة تجربة ماليزيا الرائدة مع أنها دولة إسلامية ومن النمور الأسيوية.
ـ خامساً يضع التقرير من أولوياته التركيز على التعليم، وبناء مجتمع المعرفة، ويشير إلى هجرة العقول المبتكرة إلى الخارج لفشل المجتمع العربي الإسلامي في استنبات نموذج مجتمع حر تنموي ناجح، فهل صحيح تسعى واشنطن لبناء مجتمع معرفي عربي يقوم على علوم التكنولوجيا الحديثة؟
وإذا كان ذلك صحيحاً فلماذا عمدت واشنطن إلى منع الطلاب العرب والمسلمين من دراسة تخصصات وثيقة الصلة بعلوم التقنية والتكنولوجيا الحديثة بعد أحداث سبتمبر 2001م على واشنطن ونيويورك، وماذا فعلت قوات الاحتلال الأمريكي في العراق لحماية أصحاب الخبرة من العلماء العراقيين أصحاب الكفاءات في مجالات العلوم الدقيقة التي اغتيل منهم حتى الآن تسعة من رموزهم الأكفاء، ومعلوم أن الموساد كان يخطط لتصفية هؤلاء العلماء من قبل الحرب الأمريكية على العراق فهل يتم اغتيال هؤلاء العلماء وتصفيتهم بعيداً عن أعين قوات الاحتلال أم تحت سمعهم وبصرهم وبرضاهم التام؟
وهل كان الكشف عن شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان أبو القنبلة النووية الإسلامية كما يسميه الغرب تمهيداً لتصفيته وتسليط الدور على تلاميذه في باكستان تمهيداً لتتبعهم والتخلص منهم كما هو الشأن مع العلماء العراقيين.
ـ وأخيراً هل فعلاً تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لنشر الديمقراطية في بلادنا، وأنها ضد الاستبداد والظلم الذي كان سبباً رئيسياً في تخلفنا وتراجعنا؟ وإذا كان ذلك صحيحاً فهل ستوافق الولايات المتحدة عن نتائج انتخابات يفوز بها حزب إسلامي أو شيوعي مثلاً في العراق أو غيره من البلاد العربية والإسلامية، وهل ستدعم النتيجة في هذه الحالة؟ أم ستهدد باحتلال البلد الذي اختار توجهاً معيناً كما فعلت أوروبا مع الجزائر في الانتخابات التي أسفرت عن فوز التيار الإسلامي وجبهة الإنقاذ في أوائل التسعينيات في أول انتخابات حرة تشهدها الجزائر منذ أكثر من نصف قرن.
هذه بعض الملاحظات السريعة على المشروع الأمريكي الطموح نحو شرق أوسط كبير برؤيته المفروضة علينا لتنقذنا من براثن التخلف والرجعية، وتأخذ بأيدينا نحو مجتمع الرفاهية والحرية والتقدم، أما الرد على المشروع الأمريكي المعيب من جميع جوانبه سواء في التشخيص، أو في وصفه للعلاج، والذي يتدثر برؤية إمبريالية لا ترى الآخر إلا برؤية مشوهة لأنه يرفض التبعية والسير على خطاها.
وكيف يكون لنا مشروعنا النهضوي النابع من داخلنا، والذي تنادى به المصلحون والمفكرون في بلادنا منذ ما يزيد على قرنين من الزمان، الذي يعبر عن ذاتيتنا، ويرتكز على هويتنا الثقافية والدينية، والذي لا يخاصم روح العصر، ولا يعادي المدنية والتقدم فهذا هو حديثنا في المقال القادم.
ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات