فهرس الكتاب

الصفحة 20254 من 27364

بقلم: فتى الادغال

• الصراعُ بينَ الأصالةِ والمُعاصرةِ ، صراعٌ مُختلقٌ متوهّمٌ ، لم يفتعلهُ إلا بعضُ المستغربينَ المُتأخرينَ ، والذينَ كانوا يرونَ الدينَ والديانة َ مجموعة ً من القيمَ الفاضلةِ ، والأخلاق ِ الحميدةِ ، وجزءً من التراثِ والتأريخ ِ ، وذكرياتٍ جميلة ً ، ولكنّهُ لا يصلحُ للتطبيق ِ ، أو الممارسةِ الكاملةِ في هذا العصر ِ ، وإن كانَ ولا بُدَّ منهُ ومن ممارستهِ ، فبعدَ تهذيبهِ وتنقيتهِ من دسائس ِ السلفيةِ ، ومكر ِ الوهّابيّةِ ، والتي أرسى دعائمها الشيخُ المُجدّدُ: محمّدُ بنُ عبدِ الوهّابِ ، وحملَ فيما بعدُ رايتَها ملوكُ هذه البلادِ - أدامَ اللهُ سعدهم - ، وجعلوا منها نهجاً لهم وأساساً لمملكتهم وحكمهم .

وقبلَ أيّام ٍ خرجَ علينا البكّاشُ الكبيرُ ، ذو السكسوكةِ المُحترمةِ: سعودٌ السرحانُ ، بمقالةٍ يمجّدُ فيها دعاة َ التغريبِ ، ويحطُّ ويضعُ على من أسماهم فيها بالمحافظين ! ، ويختطفُ الشريعة َ من كونها ديناً وحُكماً ، فيجعلها سياسة ً وولاءاتٍ ، لا دخلَ للدين ِ فيها .

لا يُلامُ السرحانُ في أطروحاتهِ هذه ، فالرّجلُ يُعاني من فوبيا مزمنةٍ معقّدةٍ ، تُسمّى:"السلفيّة َ"و"الوهّابيّة َ"، فهو يشتمُها بمناسبةٍ وبلا مناسبةٍ ، ويختلقُ حولها الأكاذيبَ والأباطيلَ ، ولا يجرأ على مناقشةِ أحدٍ منهم ، فهم - بحسبِ كلامهِ - أصحابُ شبهٍ ، ويحبّونَ الجدلَ ! ، وإذا خلا هو إلى شياطينهِ عضَّ على أناملهِ غيظاً ، واخترطَ قلمهُ وانتزعَ طِرسهِ ، ثمَّ ثلطَ بكلام ٍ ممجوج ٍ ، وأسلوبٍ ثقيل ٍ ، يجمعُ ضحالة َ الطرح ِ ، وبرودَ الأسلوبِ ، والتلفيقَ والكذبَ ، مع نفثاتٍ مقهور ٍ لكثرةِ ما يُعاني من ضرباتٍ موفّقةٍ منهم .

ومع ذلكَ فنحنُ نُحِبُّ السرحانَ كثيراً ، ونقرأ لهُ ، ونكرهُ أن يتركَ الكتابة َ ، فالنفوسُ قد ملّتْ من الأخبار ِ والحوادثِ ، والنوادرُ اضمحلّتْ ، والطرائفُ تلاشتْ أو كادتْ ، والحمدُ للهِ الذي منَّ علينا بهذا المهيريج ِ ، لنضحكَ من ثقافتهِ العاليةِ المستوى ، وكِتاباتهِ الجليلةِ المكانةِ ، وتدليسهِ الذي بزَّ بهِ من سبقَ .

هذا الرّجلُ هو الأبُّ الرّوحي للمهرِج ِ الآخر ِ: حسن ِ بن ِ فرحانَ المالكيِّ ، ذلكَ الخنفشاريُّ الممتعُ ، والذهينُ المتشبّعُ بما يجهّزهُ لهُ السرحانُ ، فالسّرحانُ هو من يحضّرُ النصوصَ لعلاّمةِ الزمان ِ ابن ِ فرحانَ ، والآخرُ يخرجُ مزهواً بها ، يمدُّ بها أشداقهُ ، وينفخُ بها كيرهُ .

لا تعجبوا فالزّمانُ كلّهُ عجائبُ ! .

رحمَ اللهُ نادرة َ الزمان ِ أبا العيناءِ ، ذلكَ الأديبَ النديمَ الظريفَ ، أوحدَ الزمان ِ في الطرافةِ والمجون ِ والملاحةِ في الجوابِ ، وأحدَ دهاةِ الدهر ِ في سرعةِ البديهةِ واللطافةِ ، فقد سُئلَ ذاتَ مرّةٍ: لمَ لا تشربُ الخمرَ ، فقالَ: لأنّي أعجزُ عن قليلهِ ، وأفتضحُ عندَ كثيرهِ ، ورحمهُ اللهُ وبرّدَ مضجعهُ ، فقد أنصفَ من نفسهِ ، وتركَ تعاطي ما يجلبُ عليهِ العارَ والفضيحة َ .

وليتَ باحثة َ العصر ِ ونادرة َ الزمان ِ السرحانَ ، أخذ َ نصيحة َ صاحبِنا أبي العيناءِ ، فتركَ الكتابة َ والبحثَ ، وذاكَ لأنّهُ يفتضحُ عندَ قليلهِ قبلَ كثيرهِ ، ويضنيهِ التجرّدُ و يُتعبهُ الإنصافُ ، فيحملانهِ على التزيّدِ والكذبِ والتدليس ِ .

كم تمنّيتُ لو كانَ السرحانُ سطراً في حياةِ أبي العيناءِ ، لأنَّه سيجدُ فيهِ مادّة ً خصبة ً لنوادرهِ وتهكّماتهِ ، ويخلعُ عليهِ صفاتِ الثّول ِ والأفْن ِ ، فيثبتُ خبرهُ في الأذهان ِ ويستقرَّ في النفوس ِ ، ويغدو مع مرور ِ الزمان ِ رمزاً من رموز ِ الشلل ِ الفكري ، والإعاقةِ العلميّةِ .

يقولُ السرحانُ فيما كتبَ أخيراً:"اتخذ الصراع على لبس"البرنيطة"وجهاً آخر فقد صار صراعا بين مؤيدي الخلافة والداعين إلى إعادة إحيائها، لا سيما في مصر والشام، وبين الذين فرحوا بزوال الخلافة وملك آل عثمان، وانتهاء عهد السلطان عبدالحميد المستبد".

لاحظوا هنا توظيفَ بعض ِ المفرداتِ المنفّرةِ في مكر ٍ منهُ ، والتي تحوي خلفها كمّاً هائلاً مُختزلاً من المعاني الموتورةِ ، والمقاصدِ الموبوءةِ ، فهو يقصدُ بذلكَ أنَّ الخلافة َ انتهتْ لأنَّ الناسَ أرادوا ذلكَ ، حيثُ كانَ"السّلطانُ عبدالحميدِ"مُستبدّاً ، وقامعاً لهم ، فضجَّ النّاسُ وملّوا ، وارتموا في حضن ِ أتاتورك وجماعتهِ .

هنا تكمُنُ بشاعة ُ فكر ِ السّرحان ِ ورهطهِ ، وكيفَ يختلونَ بالقرّاءِ ، فقد أغفلَ في لؤم ٍ منهُ ، جميعَ ممارساتِ أتاتوركَ القمعيّةِ ، وجميعَ أشكال ِ الاستبدادِ التي فعلها ، ولم يوجّهُ لهُ كلمة َ نقدٍ واحدةٍ ، أو حرفاً لاذعاً ، بل على العكس ِ من ذلكَ جعلهُ هو وأصحابهُ:"تيار التحديث الذي يجمع دعاة التنوير والاصلاح ومعهم دعاة التغريب ويطلق عليهم خصومهم اسم"المتفرنجين"، وهؤلاء كانوا يدعون إلى الاصلاحات الدينية والسياسية والاجتماعية والسعي إلى النهوض بالأمة، وكانوا يدعون إلى الاستفادة مما وصل إليه الغرب من معارف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت