إبراهيم غرايبة 19/7/1425
كيف يعود التيار الإسلاميّ العريض إلى مكانه ومكانته اللتين كان عليهما خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، رافداً أصيلاً مندمجاً في مجمل حركة المجتمع نحو التحرّر الوطنيّ والاستقلال السياسيّ والثقافيّ؟ وكيف يخرج العمل الإسلاميّ من دوّامة الاتّهام، والعُنف المتبادل والاستبعاد والعداوة والانزواء والهيمنة؛ ليتحول إلى مكوّن أساسيّ وأصيل في نسيج الأمّة يتفاعل مع التيارات، والمكوّنات الثقافيّة المتعدّدة، ويحرّك الأمّة نحو النّهضة والتنمية؟
يلاحظ المفكر الإسلاميّ"أحمد كمال أبو المجد"أنّ الحركات الإسلاميّة التي ظهرت في مطلع القرن العشرين وحتى أواسطه كان لها أهداف سياسيّة متطابقة تماماً مع الأهداف السائدة في المجتمع حتى تكاد تكون موضع إجماع جماهير الناس، وكانت في غالبها أهداف تحرير وطنيّ ومقاومة للنفوذ والتسلّط الأجنبيّ، وبهذا وبسببه دخلت جميع تلك الحركات تاريخ بلادها السياسيّ باعتبارها حركة تحرير وطنيّ قوميّ ثقافيّ.
والأستاذ"طارق البشري"يرى أيضاً أنّ الدّعوات الإسلاميّة كانت قبل ظهور الدعوات العلمانيّة المتأثّرة بالغرب مندمجة في حركات التحرير الوطنيّ عامّة، وفي الدّعوات العامّة للإصلاح والنّهوض، فلما انفرزت حركة علمانيّة وطنيّة تدعو للاستقلال بصورة عامّة للمجتمع المستقلّ مستعارة من نماذج الغرب وأُسسه الشرعيّة، لمّا حدث ذلك ظهرت الدّعوة الإسلاميّة تؤكّد أنّ الإسلام دين ودولة.
وبدأ الموقف السياسي التحرري للفكر الإسلاميّ وللحركات الإسلاميّة يتغيّر منذ النصف الثاني للقرن العشرين متّجهاً بتلك الحركات إلى موقف المعارضة الحادّة للنّظم السياسيّة وللحكومات القائمة.. ودافعاً بالطّرفين إلى مواجهات ومصادمات غير مسبوقة، وإلى اتجاه كثير من حكومات الدول العربيّة والإسلاميّة إلى السعي في تصفية الحركات الإسلاميّة سياسياً وجسدياً، وقابل ذلك اتجاه بعض الحركات الإسلاميّة لزعزعة الاستقرار السياسي لتلك الحكومات، وانتقلت إلى العمل خارج الإطار السياسي و"الشرعية القانونية"وتحديث الحركة الإسلاميّة والفكر الإسلاميّ من قوة نهضة إلى مصدر خطر على استقرار المجتمع، وعقبة تهدّد مسيرته نحو النّمو و الرّخاء، وإلى مشكلة أمنيّة مزمنة يكاد حلّها يستعصي على العقلاء والحكماء، وبسيادة هذه النظرة الأمنيّة فقد وقعت أضرار جسيمة، وفات على الأمّة بكل طوائفها خير كثير.
يرى د."أحمد كمال أبو المجد"أنّ الحكومات مطالبة بأمور ثلاثة من شأن الالتزام بها أنْ يفتح أبواباً واسعة لتحقيق تصفية حقيقيّة دائمة لظواهر العنف والإرهاب الذي يرفع أصحابه رايات وشعارات إسلاميّة، وأنْ يردّ التيار الإسلاميّ العريض إلى مكانه ومكانته اللتين كان عليهما خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، رافداً أصيلاً مندمجاً في مجمل حركة المجتمع نحو التحرّر الوطنيّ والاستقلال السياسيّ والثقافيّ.
إنّ التزام الحكومات بسيادة القانون والدستور، ومواصلة نهج العدل والمساواة مع المواطنين مهما كانت تجاوزات بعضهم واعتداءاتهم على الدولة والمجتمع يجعل الصّراع بين الشرعيّة والخارجين عليها، ولكنّ الحكومات هي الأخرى حين تسلك سلوكاً خارجاً على القانون فإنّ الصراع يتحول بين متساوين في الاعتداء، وقد يتعاطف الناس مع التمرّد والإرهاب المتسمّي بالإسلام إذا كان يواجه إرهاباً غير إسلامي!
ويستند التطرّف وجماعاته على خطاب فكريّ فيه تشوّه وغلوّ وانحراف لكنّه يتضمّن كثيراً من الأسس والقواعد الصحيحة التي يُساء فهمها والاستنتاج المتعلق بها، ويحمل أعضاء هذه الجماعات دافعاً فكرياً وعقيدياً قوياً تجاه تطبيق ما يدعون إليه ويعتقدون بصحته، وستكون المواجهة بعنف وسيلة غير مجدية، وربّما تزيد هذه الجماعات تمسكاً بقناعاتها وآرائها وتزيدها تطرّفاً وعُنفاً، ولكنّ الحوار الفكريّ المتواصل مع قادة وأعضاء هذه الجماعات سيؤدّي إلى التّصحيح، ويحرم التطرّف والإرهاب من روافده الأساسيّة من الشباب المتحمّس حسن النيّة الذين يبحثون عن الصواب، وقد يخطئون في طريق الوصول إليه (...وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [الكهف: من الآية104] .
لقد ثبت بالفعل أنّ أفراد الأمّة وجماعاتها ومؤسّساتها يعيشون في غياب كبير عن التفاهم والاتصال فيما بينهم ويلاحظ دائماً أنّ الفرقاء لا يستمعون إلى بعضهم، وحين يُتاح لهم النقاش والحوار وتبادل الآراء يتبين أنّ مساحات الاختلاف ضيّقة ومحدودة، ويمكن محاصرتها أو استيعابها.