فهرس الكتاب

الصفحة 5347 من 27364

وأخطأت الحكومات خطأ شنيعاً باستجابتها للتيار العلمانيّ المتقرّب في النّظر إلى الفكر الإسلاميّ كله، والجماعات الإسلاميّة المعتدلة على أنّها محضن الإرهاب والتطرف، ومن ثمّ فقد اتجهت حكومات ومراكز قوى إلى محاصرة الفكر الإسلاميّ كله، ووضعه مع التطرّف والإرهاب في سلّة واحدة، ومحاربة الجماعات والتيارات الإسلاميّة العريضة في المجتمع والمعتدلة، ووضعها مع الجماعات المتطرّفة والإرهابيّة في سلة واحدة، فهي بذلك وضعت نفسها في مواجهة المجتمع الذي يغلب عليه التديّن وينتمي إلى جذوره الإسلاميّة، وأضفت صفة شرعيّة على الجماعات المتطرّفة، وجعلتها ترقى إلى مستوى التيار الإسلاميّ العام والمتجذّر في المجتمع بدلاً من أنْ تكون معزولة ومحاصرة.

ويقترح أخيراً د."أبو المجد"قائمة من شروط النهضة الإسلاميّة للتكيّف المحسوب مع حقائق العصر تكيّفاً محكوماً بالثوابت الأخلاقيّة المستمدّة من أصول الثقافة العربيّة الإسلاميّة، وذلك بتفعيل القواعد والأفكار الإسلاميّة الحضاريّة التي تصلح إطاراً جامعاً للمسلمين والناس جميعاً، مثل: حرّية الفكر والرّأي، والإلحاح على القضايا المشتركة مع الأمم والناس جميعاً، وتصحيح علاقة المسلمين بسائر الأمم والشعوب وتواصلهم مع سائر الحضارات والثقافات، وتوظيف الأدوات التي اشتمل عليها الإسلام لتحقيق الاستجابة مع تغيّر الأمكنة والأزمنة والأحوال، والاهتمام بالجوانب الإسلاميّة التي استحدث الناس منها ألواناً وصوراً لم تكن معروفة للفقهاء الأوائل أو كانت أصولها معروفة لديهم ولكن صورها المعاصرة صارت تحتاج إلى فقه جديد والكفّ عن تضخيم جوانب صارت معروفة لكل المسلمين (كالعبادات) أو أخرى يحيا ويموت معظم المسلمين دون أنْ يتعاملوا معها (الحدود والجنايات) .

ويدعو إلى التيسير في الفتوى تخفيفاً عن الناس ومراعاة الأولويات عند مخاطبة الناس، ووضع النظم والتشريعات، والاستئناس بتجارب الأمم الأخرى، والالتفات إلى قيمة الحريّة في الحياتين: السياسيّة والثقافيّة، والكفّ عن تصوّر الخلافة الإسلاميّة صورة محدّدة من صور الحكم غابت بسقوط الخلافة العثمانيّة، فالعبرة بمبادئ العدل، ومسؤوليّة الحكام وتقيدهم بالقانون، واستمداد التشريعات من مبادئ الشريعة الإسلاميّة، واحترام حقوق الإنسان وحرّياته، وأمّا ما عدا ذلك فترتيبات وتراكيب يجتهد المسلمون لإقامتها بمثل ما يجتهد غيرهم.

وقد ساهم في هذا التحوّل المتسارع وبخاصّة في السنوات العشر الأخيرة ظهور تحالف ثلاثي جديد من الغرب أولاً الذي يرى في الإسلام عدواً بديلاً للشيوعيّة وخطراً يهدّد المصالح الغربيّة ومنافساً للحضارة الغربيّة والحكومات ثانياً التي سيطرت على أكثرها رؤية ومنهجيّة أمنيّة غلبت منهج الساسة العقلاء والحكماء، ولا ترى طريقاً للعمل سوى العقاب وعدم الحوار والتفاهم، ونُخَب العلمانيّين ثالث من الكتاب والمثقّفين والسياسيّين الذين تهدّد الصّحوة الإسلاميّة مصالحهم ومكاسبهم وشهواتهم.

وساهم في ذلك أيضاً ظهور الجماعات التي ترفض مجتمعاتها، وتتّهمها بالكفر والجاهليّة، وتورّطها في أعمال عُنف عشوائيّ ضدّ المجتمع والغرب، وعزّز ذلك الاعتقاد والتحليل الذي يرى أنّ العمل الإسلاميّ والفكر الإسلاميّ يحمل بذور العنف والتطرّف حتى في صيغته المعتدلة.

الحركة الإسلاميّة وقياداتها الواعية المعتدلة تملك المبادرات، ومفتاح حلّ الأزمة الناشبة مع الغرب والحكومات والتيارات العلمانية، وذلك بتحديد حاسم لمنهجها ورؤيتها نحو العنف، والتكفير بوضوح يميّز بينها وبين تلك الجماعات، وبإعلان واضح ومفصل ومؤصّل لمواقفها السياسيّة والفكريّة تجاه الديمقراطيّة والتعدديّة والأقلّيات والمواطنة والمرأة، والحرّيات العامة والسياسيّة والتوسّل بالعُنف لأجل الوصول إلى الحكم.

إنّ المستقبل القريب يؤشّر على تنامي الاتجاه الإسلاميّ في الشعوب والمجتمعات إلى درجة تؤكّد أنّ الإسلام هو طابع الحكم والإدارة في العالم العربيّ والإسلاميّ وقد يكون ذلك بالحركات الإسلاميّة القائمة اليوم أو بدونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت