الأحد:21/04/2002
(الشبكة الإسلامية) مراسلة القاهرة
هذا الكتاب للمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة لا يهدف إلى المقارنة بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية فقط لينتصر للفكرة الإسلامية على الفكر المادي الغربي، بل ولإظهار الأصالة والتجديدية في الثقافة الإسلامية في مقابل النزعة المادية الإلحادية في الثقافة الغربية، وأن العيب والضعف ليس في ثقافتنا (نحن) ، وإنما في (الإنسان) الذي لابد أن يعي أن أول خطوات السمو والارتقاء واستعادة (الأستاذية) أن نحدد نقاط القوة والفرص المتاحة أمامنا في هذا العالم المليء بالتحديات. ويستعرض أبعاد العولمة التي لا تستهدف فقط الاحتلال والغزو وامتصاص الموارد، وإنما (تأييد) هذا الغزو باحتلال العقول وإذابة الآخر، وخاصة الآخر الإسلامي في حضارة تعلى شأن المادة وتنزع منحي لا دينيا.
ويؤكد الكتاب أنه بالرغم من شراسة التحديات وعظم المخاطر، فبالإمكان مواجهتها والتعامل معها بتغيير أنفسنا أولا ، والاعتماد على مواردنا الضخمة وطاقاتنا المعطلة، ثم بالحوار مع الإنسان الغربي الذي ليست لنا معه مشكلة، والذي يمثل إمكانية صداقة ومعاونة بالنسبة لقضايانا، فإذا عرضنا عليه بضاعتنا بمنطق العقل والعدل والمصلحة في قضية العولمة قد يكتشف أنه هو نفسه - معنا - ضحية لمخاطر التوحش الرأسمالي الذي تهددنا عولمته.
تحرير مضامين المصطلحات
يشير الدكتور عمارة إلى وجود خلط في دوائرنا الفكرية والإعلامية بين مصطلح العولمة ومصطلح العالمية، وهو خلط يزيف المضامين ويخلط الأوراق التي لا يجوز فيها الاختلاط، الأمر الذي يستوجب البدء في تحرير وتحديد مضمون كل منهما.
مفهوم العالمية: ويعرفه بأنه نزعة إنسانية وتوجه نحو التفاعل بين الحضارات والتلاقح بين الثقافات والمقارنة بين الأنساق الفكرية، والتعاون والتساند والتكامل والتعارف بين الأمم والشعوب، ويرعى العالم منتدى حضارات بينها مساحات كبيرة من المشترك الإنساني العام، ولكل منها هوية ثقافية تتميز بها، ومصالح وطنية وقومية وحضارية واقتصادية وأمنية لابد من مراعاتها في إطار توازن المصالح، وليس توازن القوى بين الأمم والحضارات.
فالناس في سعيهم شتى (إن سعيكم لشتى) [الليل:4] ، ذلك هو المفهوم الإسلامي للعالمية: نزوع عالمي يرى التعدد والتنوع والاختلاف القاعدة والقانون، ويؤمن أن التفاعل هو الوسط العدل بين العولمة وبين التبعية، فتصبح الصورة الحضارية للعالم هي صورة منتدى الحضارات.
ويتميز المفهوم الإسلامي للعالمية عن نظيره الغربي ليس فقط في وقتنا الراهن، وإنما منذ فجر الحضارة الأوروبية الغربية، فالنزعة المركزية لصيقة بالنموذج الحضاري الغربي منذ العصر الروماني الذي رأى أصحابه أن الإنسان هو الروماني الحر وحده، وما عداه برابرة، وأن ما يتدين به الروماني هو الدين الوحيد، وما عداه واجب الاستئصال، ثم واصلت هذه النزعة المركزية الغربية صراعها مع الآخر طوال عصر استعمار الغرب للأمم والبلاد والحضارات غير الغربية، وتم هذا الصراع والاستئصال على مختلف الصعد والميادين والجبهات بتحويل العالم إلى هامش للأمن الأوروبي الغربي، وتسخير الشعوب المستعمرة وإمكاناتها وقودا في هذه الحروب الاستعمارية، كما كان الرومان والفرس يصنعون قديما مع الغساسنة والمناذرة في النظام العالمي القديم.
مفهوم العولمة: ويتساءل الدكتور عمارة: إذا كان هذا هو مفهوم العالمية في الرؤية الإسلامية، وفي الرؤية الغربية، فما هو الجديد المفاهيمي الذي يطرحه مصطلح العولمة الذي طرأ على الساحة الفكرية منذ سنوات؟
ويجيب بالقول: إن الجديد في العولمة الغربية عن العالمية الغربية هو جديد في الدرجة، وليس في النوع، فنحن أمام تصاعد في درجة النزعة المركزية الغربية، وتصاعد في حدة التطبيق الغربي لها، وأسباب هذا الجديد هو التطورات الموضوعية الجديدة التي طرأت على العالم، ومن ثم على علاقة النظام الغربي بالعالم غير الغربي.
فالعولمة الغربية هي طور جديد على طريق النزعة المركزية الغربية والعالمية بمفهومها الغربي، إنها طور الاجتياح الذي يطمع في صب العالم داخل القالب الغربي على مختلف الصعد والميادين الاقتصادية والسياسية والقيمية والثقافية والعسكرية والتشريعية...إلخ إلخ.
إنها مرحلة الطوفان الغربي الذي هو - في الدعاوي الغربية - نهاية التاريخ، ومن لم يركب في سفينة النموذج الحضاري الغربي طوعا، فخطوط الصراع والإكراه معه وضده تحددها خطوط الثقافات والحضارات.
ويذكر أن العالمية - حتى بمفهومها الغربي - ونظرا لملابسات التناقضات التي صاحبتها لم تكن تحرمنا من هامش الاختيار أن هذه العولمة التي مثلت وتمثل طور وحدة القبضة الغربية، وثورة التقنيات التي جعلت العالم أشبه ما يكون بالقرية الكونية، مما يؤدي إلى تصاعد مخاطر الاختلالات في موازين القوى على حساب الأمم والحضارات المستضعفة.