فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 27364

بنيلها من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته

الحمد لله القائل:"لعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون"1.

وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا القائل:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". 2

وبعد..

فقد جاء في الأثر أن موسى - عليه السلام - سأل الله أن يقطع عنه ألسنة الناس، فقال:"يا موسى لم أقطعهم عني، فكيف أقطعهم عنك"؟

لا غرابة أن يسب اليهود والنصارى أو أحدهم رسولًا من رسل الله - عز وجل -، فقد سبوا الله سبًا - كما قال عمر - رضي الله عنه - لم يسبه إياه أحد من قبل ولا من بعد، حيث نسبوا له الولد والصاحبة والشريك، - تعالى -الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

هذا بجانب زعمهم أن الله فقير وهم الأغنياء، وأن يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، وبجانب قتلهم الأنبياء الذي هو أشد جرمًا من السب والانتقاص.

لم أتعجب من الكفريات التي وردت فيما كتبته تلك المرأة النصرانية التي تدعى"سلاس"وأشاعته بين بعض المسلمين تحت عنوان:"مقارنة بين مؤسسي أكبر دينين في العالم"، وتعني بذلك عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي تدعو للعجب، كتعجبي من جهلها الفاضح وجرأتها، ومن الفوضى الفكرية التي غشتنا في هذه الأيام، وعدم المراقبة لما يكتب من كفر صراح، وعدم المحاسبة والمؤاخذة لمنتقصي الإسلام ورسوله.

ومما يدل على جهلها الفاضح بالمسيحية التي تدعي اعتناقها قبل الإسلام أمران هما:

أولًا: زعمها أن الإسلام والمسيحية عبارة عن حزبين أسسهما محمد وعيسى - عليهما السلام -، وهما دينان سماويان وشريعتان ربانيتان، هذا قبل التحريف الذي أصاب المسيحية، وقبل أن تنسخ بشرع محمد الخاتم لجميع الشرائع، وبكتابه المهيمن على جميع الكتب السماوية.

رحم الله الإمام ابن القيم عندما قال:"ما بأيدي النصارى من الدين باطله أضعاف أضعاف حقه، وحقه منسوخ". 3

ثانيًا: هذه المقارنة الجائرة بين شريعة عيسى المعدلة المنسوخة، وبين شرع محمد الذي بشر به عيسى - عليه السلام:"ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد"، وذلك لأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم تطوير وتكميل لما جاء به أخواه موسى وعيسى - عليهما السلام -.

قال شيخ الإسلام مفتي الأنام أحمد بن عبد الحليم الإمام في كتابه القيم"الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح"4 في رده على تساؤل بعض أفراد هذه الملة المبدّلة المحرّفة للكلم عن مواضعه، ولما جاءهم به عيسى، حيث قالوا عن المسلمين:"إنا نعجب من هؤلاء القوم الذين مع أدبهم وما يأخذون به أنفسهم من الفضل، كيف لم يعلموا أن الشرائع شريعتان: شريعة عدل وشريعة فضل، فأرسل موسى إلى بني إسرائيل، فوضع شريعة العدل، وأمرهم بفعلها إلى أن استقرت في نفوسهم."

ولما كان الكمال الذي هو الفضل لا يمكن أن يضعه إلا أكمل الكمال، وجب أن يكون هو تقدست أسماؤه وجلت آلاؤه الذي يضعه، لأنه ليس شيء أكمل منه، وليس في الموجودات أكمل من كلمته، ولذلك وجب أن يجود بكلمته، فلهذا وجب أن يتحد بذات محسوسة، يظهر منها قدرته وجوده.

ولم يكن في المخلوقات أجل من الإنسان، اتحد بالطبيعة البشرية من السيدة الطاهرة، من مريم البتول المصطفاة على نساء العالمين، وبعد هذا الكمال ما بقي شيء يوضع"."

هل بعد ذلك سبٌّ وانتقاص لله - عز وجل -؟!

الجواب عن هذا من وجوه:

أحدها أن يقال: بل الشرائع ثلاثة: شريعة عدل5 فقط، وشريعة فضل6 فقط، وشريعة تجمع العدل والفضل7، فتوجب العدل، وتندب إلى الفضل، وهذه أكمل الشرائع الثلاث، وهي شريعة القرآن الذي يجمع فيها بين العدل والفضل، مع أننا لا ننكر أن يكون موسى - عليه السلام - أوجب العدل وندب إلى الفضل، وكذلك المسيح أيضًا أوجب العدل وندب إلى الفضل .

فدل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن هذه الشرائع الثلاث متممة ومكملة لبعضها البعض، وأن الخير الذي ورد في جميع الشرائع جمع في شرع محمد وزيد عليه.

قال شيخ الإسلام: (فليس في التوراة والإنجيل والنبوات ما هو من العلوم النافعة والأعمال الصالحة إلا وهو في القرآن، أو ما هو أفضل منه.لكن النصارى لم يتبعوا لا التوراة والإنجيل، بل أحدثوا شريعة لم يبعث بها نبي من الأنبياء) .

إلى أن قال مدللًا على تكميل هذه الشرائع لبعضها البعض، وعدم تناقضها:(إن شريعة التوراة يغلب عليها الشدة، وشريعة الإنجيل يغلب عليها اللين، وشريعة القرآن معتدلة جامعة بين هذا وهذا.

ولهذا جاء في وصف محمد صلى الله عليه وسلم:"إنه نبي الملحمة، وأنه الضحوك القتال".

إلى أن قال: ولهذا قال بعضهم: بعث موسى بالجلال، وبعث عيسى بالكمال، وبعث محمد بالكمال.

ثبت بذلك أنه لا مجال للمقارنة بين شرع محمد صلى الله عليه وسلم وبين جميع الشرائع السابقة له، لاشتمال شريعته لكل خير فيها وصلاحه لكل زمان ومكان، ولهذا تولى الله حفظها وجعلها المهيمنة إلى أن يقوم الناس لرب العالمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت