معتز الخطيب**
ماذا يعني أن يترجم الإسرائيليون أدبنا إلى العبرية؟ وماذا يعني أن يتصل ناشرون إسرائيليون بكتاب وأدباء عرب للحصول على موافقتهم على الترجمة؟ وهل لهذا التوقيت الحرج دلالة في هذا السياق؟ وهل الترجمة هي عملية"نقل"-مجرد نقل- من لغة إلى أخرى أو أنها حوار ثقافي؟ وهل الحوار الثقافي يتبع القرار السياسي أو أنهما منفصلان؟ وهل صحيح ما قيل:"إن إسرائيل تقتل بيد وتترجم بالأخرى"؟
ترجمة الأدب العربي إلى العبرية بدأت -كما يؤكد د.رشاد الشامي أستاذ الأدب العبري في مصر- منذ الثلاثينيات، ولا تزال تحظى باهتمام حقيقي في الأوساط الإسرائيلية، وبدأت الترجمة برواية توفيق الحكيم"يوميات نائب في الأرياف"، وتواصلت لتشمل العديد من الروائيين العرب. لكن أثير موضوع الترجمة إلى العبرية من خلال تحقيق في"أخبار الأدب"القاهرية، حمل عنوانًا مثيرًا"إسرائيل تقتل بيد وتترجم بالأخرى".
في مناقشة هذا الموضوع يجب استبعاد فكرة"الخيانة"؛ لأن القضية في أقل تقدير"ملتبسة"، والخلاف الفكري -أيًّا كان- لا يبرر الوصول إلى هذا المستوى المعهود في كثير من خلافاتنا!
يؤكد عبده وزان على أن فعل الترجمة"حوار مع الآخر ومع نصه وأفكاره"، ويرى أن الإشكال يكمن في طبيعة العلاقة بين الأدباء العرب والناشرين الإسرائيليين، وربما في طريقة الترجمة ومنهجها، ثم إن اللغة العبرية -حسب قوله وقول محمد البساطي- شبه ميتة.
أما جمال الغيطاني فيرى في الترجمة"شكلا من أشكال القرصنة التي تستهدف استكشاف الشخصية العربية، لكنه الآن يبحث عن شرعية الاعتراف بجدواه، وهذا هو الخطر"، على حد تعبيره، ويتفق مع عبده وزان على أن"التوقيت حرج وغريب، ويحمل علامات استفهام عدة حول أهدافه".
ويعكس محمد البساطي حالة اليأس والإحباط لدى بعض المثقفين حين لا يرى جدوى لوجود أعمال لأدباء مصريين في اللغة العبرية؛ لأن ذلك"لن يسهم في تبديل أو تغيير صورة الإنسان العربي في إسرائيل، ولن يسهم في إرغام إسرائيل على تغيير سياستها الدموية إزاء الشعب الفلسطيني"، على حد قوله.
إن الهدف من اتصال الناشرين الإسرائيليين بأدباء عرب -من وجهة نظر د.رشاد الشامي-"إحداث ارتباك في أوساط المثقفين، وخلخلة موقفهم فيما يتعلق بالتطبيع".
هذه مجمل الإشكالات التي طرحت حول قضية"الترجمة إلى العبرية"باعتبارها"تطبيعًا ثقافيًّا"، وأول ما نلحظ على تلك الإشكالات أنها تنطلق من مسلّمة أن الترجمة هي تطبيع ثقافي يرتكز على نظرية"المؤمراة"، ونحن نحب في البداية أن نسائل مصطلح"التطبيع الثقافي"قليلا، وهل تعتبر الترجمة تطبيعًا ثقافيًّا؟
إن الترجمة عملية"إيصال"و"تبليغ"ثقافية، ضمن سياق معرفي؛ فهل نحن نخشى من هذا"التبليغ"ذاته، أو نخشى من تبعات هذا التبليغ، أو نخشى من"التواصل"بين الناشرين الإسرائيليين وبعض الأدباء العرب؟
إن هذا"التبليغ"إن هو إلا محاولة تعريف بالثقافة العربية، وإبلاغها داخل المجتمع الإسرائيلي، وليس -كما يرى الغيطاني-"شكلا من أشكال القرصنة يستهدف استكشاف الشخصية العربية"؛ لأن ذلك الاستكشاف متاح، بل وحاصل منذ زمن من خلال مراكز الدراسات والأبحاث الإسرائيلية. إن هذا الاستكشاف يتم بسهولة على مستوى مراكز البحث والدراسات، ومن دون إذن بالترجمة، وليس على نطاق شعبي.
وإذا كنا نخشى من تبعات هذا"التبليغ"، أو بتعبير آخر من حدوث حراك ثقافي؛ فإن هذا حاصل من قَبلُ، من قِبَل السياسيين وأجهزة الإعلام، بل والمفكرين؛ فهل منعتنا يهودية فرويد من أن نفيد منه، وندرس مدرسته في التحليل النفسي؟
أما إذا كنا نخشى من"التواصل"المَخوف بين الناشرين الإسرائيليين والأدباء العرب؛ فإن هذا فيه نوع مبالغة وتعمية؛ فمحاولات النشر هذه تمت في مجملها من خلال"قرصنة"من دون استئذان، والأمر نفسه بالنسبة للترجمات العربية، والدار التي استأذنت هي"دار الأندلس"التي قدمت نفسها من خلال رسالة مكتوبة بالعربية، ومن خلال مجموعة من الأسماء الفلسطينية المشاركة والمساندة للمشروع، وبعض اليهود المؤيدين للقضية العربية أو المتعاطفين معها (انظر ما كتبه محمد برادة في الحياة الخميس 10-5-2001) ، وبهذا يغدو هذا التخوف غير مبرّر.
الأمر الذي نودُّ لفت النظر إليه هو أن الفعل الثقافي"المحايد"كالترجمة لا يدخل فيما يسمى"بالتطبيع"، بل إن المقاومة والاستمرار في النضال يقتضي توظيف الإمكانات الأدبية والفنية المختلفة لغة ووسائل في عملية الصراع من أجل نيل الحقوق.
وإن ثمة تساؤلات ملحة تطرح نفسها: لماذا لم تُثر المشكلة حين ترجمت الروايات العبرية إلى العربية كما حدث في"ميخائيل وحنة"لعاموس عوز (القاهرة) ، و"الطريق إلى عين حارود"لعاموس كينان (بيروت) ، و"غبار"ليائيل دايان (دمشق) ، و"الهواء الأصفر"و"ابتسامة الجمل"لدايفيد غروسمان (فلسطين) ؟