فهرس الكتاب

الصفحة 11938 من 27364

لماذا لم تُعتبر تلك الترجمات محاولة"غزو"ثقافي للمجتمع العربي؟ بل لماذا لم تعتبر الترجمات العبرية للأدب العربي نافذة للتأثير في الوعي المتصهين، ومحاولة لتصحيح بعض التزوير اليهودي للتاريخ العربي؟ لماذا لم تُثر القضية من خلال ترجمة الأدب العربي إلى الإنجليزية وهي لغة عالمية؟ ألا يمكن للإسرائيليين استكشاف الشخصية العربية من خلال الترجمة الإنجليزية؟

وإذا كانت المشكلة المفتعلة مبررة؛ لأن إسرائيل"مستعمرة"؛ فنقول: ألم يكن الغرب مستعمرا؟ وإذا كانت السياسات درجت على استخدام مصطلح"تطبيع"مع الآخر الإسرائيلي فقط.. أفلم يكن الأجدر بالمثقفين أن يتجاوزوا ذلك إلى كل من يعتدي على حقوق الأمة وينهب خيراتها؟

ثم هل الأمر يقتصر على رؤية"عنصرية"حتى يستنكر عدد من الأدباء ترجمة الأدب العربي إلى العبرية، ولا يستنكروا ترجمة الأدب العبري إلى العربية؟ ألم يكن من الأولى للمثقفين أن يوجهوا ثورتهم هذه نحو التطبيع القائم الآن على مستوى دبلوماسيين واقتصاديين؟

وهل لنا أن نعتبر تدريس الأدب العبري في الجامعات العربية تطبيعًا؟ ثم لماذا تكون العبرية لغة شبه ميتة في الترجمة، ولا تكون كذلك في التدريس؟ هل يعكس هذا القلق ترددا في أن الثقافة العربية قادرة على تحدي الوعي المتصهين وإحداث تصدعات داخله؟

إن ما قيل حول إشكالية ترجمة الأدب العربي إلى العبرية لا يعدو -في نظرنا- مجرد شكوك تعكس مأزومية بعض المثقفين، وعدم القدرة على اتخاذ موقف حاسم، وربما يتصل ذلك بعجزهم عن مداخلة الفعل السياسي أو التأثير فيه؛ الأمر الذي يؤكد هذا الاضطراب وعدم وضوح الرؤية، ذلك الاكتفاء بإثارة الأسئلة"المفتعلة"، وربما تكلف تأويلات متمحلة لعملية ترجمة"بسيطة"لا تحتمل كل هذه التأويلات والتهويلات التي وقع فيها كل من جمال الغيطاني ومحمد البساطي وعبده وازن (انظر مقولاتهم في الحياة 10/5/2001) .

إنها مجرد انفعالات رهينة للأثر النفسي، وخاصة في هذه المرحلة الحرجة، والواقع أن هذه المرحلة الحرجة ليست للترجمة؛ لأن الترجمة -كما ذكرنا- بدأت في ثلاثينيات القرن الماضي، وإنما هي حرجة بالنسبة لرد الفعل تجاه الترجمة؛ فمثلا يعبّر محمد البساطي بأنه"لا يتخيل أدبه في لغة دولة تحتل أراضي عربية"، وبأن ذلك"أمر يدعو إلى الخجل"، بينما تكتفي سلوى بكر بالقول: إن الرفض"موقف بديهي". إن هذا الموقف هو موقف نفسي مأزوم لا يستند إلى مبررات معرفية أو حتى واقعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت