د. سامي سعيد حبيب
من مزايا شهر رمضان المبارك أعاده الله على الأمة بالخير والبركات والعزة والمنعة أنه معلم من معالم هوية هذه الأمة الربانية، ففيه أنزل القرآن إيذاناً بربط البشرية بخالقها من جديد بعد أن اجتالتها الشياطين عن الحنيفية السمحة، وفيه يتجلى البعد الروحي للعبادات في الإسلام كما لا يكون في سواه .
فبجانب الصيام الذي هو عبادة داخلية لا يعلم صدقها إلا الله ولا يجزي بها إلا الله وحده هدفها الأسمى تحقيق تقوى الله في النفوس تغص المساجد بالمصلين في رمضان، يؤدون الفرائض ، ويقومون الليل تطوعاً ، ويحافظ المسلمون على أورادهم القرآنية اليومية بشكل منتظم ، وتكثر الزكوات والتراحم بين المسلمين حتى لقد سماه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بشهر الزكاة.
كما يكثر المعتمرون لبيت الله الحرام أحد أعظم رموز الانتماء للربانية على وجه الأرض، حيث العمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ويعتكف الكثير من المسلمين و ينقطعون عن الدنيا في العشر الأواخر من رمضان.
كما وقعت في شهر رمضان العديد من المعارك التاريخية الحاسمة التي غيرت مجرى التاريخ ومصير البشرية وأكدت على هوية هذه الأمة وعلى رأسها معركة بدرٍ الكبرى تاج معارك الإسلام ومروراً بحطين وعين جالوت وغيرها الكثير، وانتهاءً بحرب العاشر من رمضان التي بددت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
غير أن رمضان هذا العام يعود على الأمة الإسلامية وهي كسيرة مهيضة الجناح جراحها غائرة تنزف في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من ديار الإسلام، والأعداء لا يكتفون بذلك بل لم ولن يرضيهم شيء أبداً ، كما حكى الله تعالى عنهم في محكم التنزيل دون رد المسلمين عن دينهم إن استطاعوا أو طمس ومسخ الهوية الإسلامية الربانية لهذه الأمة بدعاوى كاذبة ، فتارة بتغيير المناهج لأنها تعلم الكراهية وعدم قبول الآخر، وتارة أخرى بدعاوى تحرير المرأة وإنقاذها من الظلم، وثالثة بدعوى نشر الديموقراطية والحرية بين الشعوب المسلمة وإصلاح نظمها السياسية... الخ تلك الادعاءات التي يأبى الله إلا أن يفضحها ما بين الفينة والفينة حتى لمن يصرون على إحسان الظن باليهود والصليبيين كما يصرون على جلد الذات وكيل التهم الجزاف لأمتهم.
أحد التقارير التي تفضح تلك النوايا التي أصبحت علنية تقرير صادر في ثمانٍ وثمانين صفحة عن قسم أبحاث الأمن الوطني لمؤسسة ''راند'' للدراسات الإستراتيجية بالولايات المتحدة تحت عنوان (الإسلام المدني الديمقراطي) لمؤلفته ''شيرلي بينارد'' وهي متخصصة في مجال علم الاجتماع ولها مؤلفات تزعم فيها أن المرأة المسلمة مضطهدة ومغلوبة على أمرها في لبس الحجاب، وتزعم ''بينارد'' لنفسها صفة ''الخبيرة في الفقة الإسلامي، وهي متزوجة من رجل أفغاني الأصل يدعى ''خالي زاد'' يعمل حالياً مستشاراً لدى الرئيس الأمريكي جورج بوش كمستشار أمني خاص لمنطقة جنب غربي آسيا وإيران.
يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة من التقارير الاستراتيجية التي لم تزل تنشر منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لتشكيل الاستراتيجية الأمريكية في حربها على العالم الإسلامي، وتتوالى دار ''راند'' هذه كبر الكثير من تلك الطروحات حيث تسربت الأنباء عن العرض الذي قدمه ''لورانت مورويك'' للبنتاغون الأمريكي في صيف عام 2002م متهماً فيه المملكة العربية السعودية بأنها (منبت الشر) ومردفاً بأن الاستراتيجية الإمبراطورية للولايات المتحدة بالشرق الأوسط يجب أن تكون تدريجية وأن تعتبر أن الحرب على العراق بمثابة خطوة تكتيكية، وعلى السعودية بمثابة خطوة استراتيجية، وعلى مصر بمثابة الجائزة العظمى.
تجاهر ''شيرلي بينارد'' من خلال ورقتها (الإسلام المدني الديمقراطي) بالهدف من وراء كتابة هذا المؤلف بألفاظ صريحة لا تحتمل التأويلات ، ألا وهو أطر المسلمين على انتهاج طريقة أو فهم جديد ''مسالم'' للإسلام أطراً ليكون ذلك المنهج مصمماً خصيصاً لتنفيذ الأجندة الغربية لمرحلة ما بعد 11 سبتمبر ، ولا تتورع أبداً على النص في رغبتها في تغيير الدين الإسلامي ذاته .
حيث كان من ضمن ما جاء في ورقتها المذكورة التالي:
(ليس بالأمر السهل تغيير احدى أكبر الديانات العالمية، فإذا كانت مهمة اعادة بناء الدول مهمة مضلعة فإن تغيير ''إعادة بناء الدين'' مهمة أكثر اضلاعاً وتعقيداً) .
وتسم الإسلام بأنه سبب تخلف المسلمين من خلال:
( إخفاقه في تحقيق الإزدهار وفقدان الصلة بالتوجهات العولمية) .
كما يقوم هذا المؤلف بتصنيف المسلمين إلى أربع فئات عقدية حسب قربهم وتقبلهم للقيم والمفاهيم فثمة حسب تصنيفها:
1-الأصوليون: وهم أولئك الذين يرفضون القيم الديموقراطية والثقافة الغربية المعاصرة.
2-والتقليديون: وهم أصحاب المواقف المتشككة من التحديث والإبداع والتغيير.
3.الحداثيون: وهم أولئك الراغبون في انضمام العالم الإسلامي لركب الحداثة العالمي.
4-العلمانيون: وهم أولئك الراغبون في فصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي.