فهرس الكتاب

الصفحة 10151 من 27364

د. عبدالقادر طاش (*) 26/11/1423

أثارت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية وما نتج عنها من تداعيات خطيرة مسألة الصورة المشوهة للإسلام في المجتمع الغربي على نحو صارخ وغير مسبوق في تاريخ العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب.

وعززت الحملات المنكرة على الإسلام في بعض وسائل الإعلام الغربية من الشكوك المستترة في نفوس قطاع عريض من العرب والمسلمين بأن الحرب التي تتزعمها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب ضد ما يسمى الإرهاب"إنما تستهدف النيل من الإسلام عقيدة وحضارة و تسعى إلى إعادة ترتيب خريطة النظام الدولي الجديد وتحجيم موقع الدول الإسلامية فيها."

ولذلك يحسن بنا أن ننظر إلى مسألة الصورة المشوهة للإسلام في الإعلام الغربي بجدية تامة وأن لا نعدها قضية هامشية لا قيمة لها، وقد نبه كثير من الباحثين والمختصين من الطرف الإسلامي ومن الطرف الغربي على حد سواء إلى خطورة هذه المسألة وتأثيراتها السلبية على العقل الغربي والسلوك الغربي منذ سنوات عديدة.

ويشير الباحث الإعلامي الأستاذ/مصطفى المصمودي - الذي تولى وزارة الإعلام في تونس لعدة سنوات - إلى دراسة أصدرتها لجنة من الخبراء والإعلاميين العرب في سنة 1980م حول مظاهر التشويه في الصورة العربية بأوروبا وأمريكا، وخلصت تلك الدراسة التي أعدت تنفيذاً لتوصية من وزراء الإعلام لدول الخليج العربية إلى القول:"إن تلك الصورة تعاني في أذهان الشعوب الغربية من تشويه شديد، وإن علاقات الأمة العربية مع هذه الشعوب تعاني من ضبابية محزنة تحول دون إقامة علاقات من التفاهم والصداقة بين المجموعتين، وإن الأجهزة الإعلامية العربية، بصورة عامة، لم تكن حاضرة على الساحة الدولية بالمستوى المطلوب لتصحيح الأوضاع".

وسجلت تلك الدراسة في خاتمتها أن لدى السفراء العرب والأصدقاء الغربيين شعورا بالأسى لعجز المال والذكاء العربيين عن اقتحام حواجز الكراهية والتعريف بالجوانب الحضارية والثقافية للأمة العربية لدى شعوب الغرب، وان التحركات على الساحة الدولية لم تكن فعالة بالقدر الكافي.

واستنتجت الدراسة أن هناك حاجة ماسة إلى القيام بعمل سريع لسد الثغرة القائمة بين العرب وشعوب أوربا وأمريكا لأن من شأن هذه الثغرة إذا ما استمرت أن تؤدي إلى أخطار جسيمة لا تهدد العلاقات بين هذه الشعوب فحسب ولكنها قد تهدد استقلال البلاد العربية وأمنها ومقومات وجودها.

والآن، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على ذلك الاستنتاج الخطير الذي توصلت إليه دراسة الخبراء العرب. حق لنا أن نتساءل بكل حرقة وألم: ألسنا نجني اليوم الثمار المرة للإهمال العربي والإسلامي لتصحيح صورتنا في الغرب وتقاعسنا الكبير وتقصيرنا الفادح في استغلال العديد من الفرص التي أتيحت لنا للسعي الجاد نحو تجسير الفجوة الاتصالية بيننا وبين شعوب الغرب ؟ إن من المؤكد أن الغرب نفسه يتحمل قسطا وافرا من مسؤولية صنع تلك الصورة الكريهة عن الإسلام والمسلمين في مجتمعاته، ومن المؤكد أيضا أن وسائل الإعلام الغربية أسهمت إسهاماً كبيراً في إعادة إنتاج تلك الصورة والعمل على الترويج لها وترسيخها بشتى الطرق في العقل الجمعي للشعوب الغربية.

إن صنع الصور النمطية المسيئة للإسلام والعرب وترسيخها في العقل الغربي ظاهرة قديمة متجددة، ويمكننا القول - دون مبالغة أو تجن: إن الإسلام كان - ولا يزال - أكثر الأديان تعرضا للإساءة في الغرب، كما أن العرب المسلمين هم أكثر شعوب الأرض حظا من التشويه والتجريح في المجتمعات الغربية كما أشار إلى ذلك الرئيس الأمريكي السابق نيكسون فهذه الصورة في الوجدان الأمريكي أشد سوءاً وقبحاً من صورة العينيين في أذهان الأمريكيين!!

ويدلنا الرصد التاريخي لتطور تلك الظاهرة على أن ساسة الغرب وقادة الرأي فيه كانوا ينظرون دائما إلى الإسلام باعتباره يمثل تهديدا لهم، فاللاهوتيون في العصور الوسطى كانوا قلقين مما أسموه ب"تأثير القيم الإسلامية على القيم المسيحية تأثيرا تدميريا"ولذلك رأى هؤلاء فيما بعد أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكريا والاستيلاء على أرضه وٌإقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية ديناً !!

وكان هدف الحملات العسكرية الصليبية في المرحلة التالية مواجهة ما أسموه"التهديد الإسلامي"قبل أن يغزو ديار الغرب. ولذلك عمل الصليبيون على تسميم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي عن طريق تفسير التعاليم والمثل العليا الإسلامية تفسيرا خاطئا ومتعمدا.

ولم يختلف موقف الغربيين في حقبة الاستعمار من الإسلام عن موقفهم منه في الحقبتين اللتين سبقتهما، لقد كانت حركة الاستشراق - في مجملها - أداة من أدوات مواجهة التهديد الإسلامي المزعوم. فقد كان المطلوب من هذه الحركة أن تستكشف معالم العقلية الإسلامية وفهمها فهما جيداً لتسهيل الإدارة الاستعمارية للشعوب الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت