فهرس الكتاب

الصفحة 10152 من 27364

وتتسق نظرة الغربيين المعاصرين للإسلام مع تلك المنظومة من الرؤى المعادية التي ورثها العقل الغربي من التراكمات التاريخية التي حفل بها تاريخه الكنسي الصليبي والاستشراقي الاستعماري. فالإسلام يمثل تهديداً للغرب كما هو واضح من نظرية (زبجنيو برجنسكي) عن"هلال الأزمات"مروراً بنظرية (برنارد لويس) عن"عودة الإسلام"وانتهاء بنظرية (صامويل هانتجنتون) عن"صدام الحضارات". فنهضة الإسلام - بالنسبة إلى هؤلاء جميعا - تعني: نهاية الحضارة الغربية لا باعتبار الإسلام مجرد منافس إيديولوجي فحسب، بل لأنه أيضا بمثابة تحد حضاري بالغ الخطر ولأنه البديل الإنساني للحضارة الغربية التي لاتقيم وزناً للقيم الإنسانية الرفيعة التى يعلي من شأنها الإسلام فتحقق له السعادة ويشعر في ظلالها بالأمان والأطمئنان.

ونحن اليوم لسنا إزاء حالة عداء غربي محدود النطاق والتأثير، عن الواقع المعاصر يشهد ما أسماه الباحث البريطاني (فريد هاليداي) ظاهرة"معاداة الإسلامية"، إذ يرى أن هذا الاتجاه المعادي للإسلام والمسلمين أخذ يتسع في العالم - وليس في الغرب وحده - مع أواخر الثمانينيات كنتيجة لعدد من العوامل منها: انتهاء الحرب الباردة، وذيوع فكرة حلول الإسلام عدوا للغرب عوضا عن الشيوعية، وصعود التيار اليميني المتطرف في أوربا وأمريكا.

إن من الواضح أن صناعة الصورة الكريهة للإسلام والمسلمين والترويج لها عبر وسائل الإعلام تعد سلاحا من الأسلحة الفعالة التي يستخدمها ساسة الغرب وقادة الرأي فيه لتكريس ظاهرة"معاداة الإسلامية"ليحققوا من خلال ذلك أهدافهم العسكرية والسياسية والاقتصادية ويحكموا سيطرتهم وهيمنتهم على العالم تحت دعاوى الانفتاح والعولمة.

وهنا يثور السؤال الملح: إذا كان الأمر كذلك، لماذا - إذا - نهتم بصورتنا لدى الغرب، وما الذي يدعونا إلى البحث في مكونات تلك الصورة وتفكيكها، وما الذي سنجنيه من وراء محاولاتنا لتغييرها أو تصحيحها ما دمنا نعرف النتيجة سلفا؟.

ومع اعترافنا بأن تغيير صورتنا في الغرب مهمة بالغة الصعوبة بسبب ذلك التراث الغربي المتراكم عبر القرون من العداء الديني والسياسي لنا إلا أننا لا نستطيع التسليم بعدم جدوى المحاولة فنحن - أولاً - أمة ذات رسالة عالمية لا يمكن لنا تبليغها للناس كافة طالما بقيت تلك الصورة المشوهة عن ديننا وثقافتنا تصدهم عن الإسلام. ونحن - ثانياً - ليس بمقدورنا أن نعيش بمعزل عن العالم فقد تداخلت المصالح بين أممه وزالت الحدود بين أجزائه.

وينطبق هذا الأمر على علاقة المسلمين بالغرب أكثر مما ينطبق على علاقتهم بأي أمة أخرى، فالإسلام موجود في الغرب، كما أن الغرب موجود في الإسلام، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي (جيل كيبل) فالتدفق الإعلامي والمعلوماتي الغربي يغزونا في بيوتنا ويشكل كثيراً من تصوراتنا. كما أن الإسلام حاضر في المجتمعات الغربية وينتشر فيها بسرعة مذهلة حتى أصبح جزءاً معتبراً من نسيجه الفكري وتكوينه الديمغرافي وحراكه السياسي، لذلك لا يمكن لنا أبدا تجاهل هذه العلاقة المتداخلة بين الغرب والإسلام، ولا يمكن لأحد التهوين من الأثر الذي تحدثه الصورة المشوهة للإسلام في العلاقة بينهما سلبا وإيجاباً.

إذا، ماذا علينا أن نفعل ؟ وهل نملك الآن فرصة حقيقية لاستدراك تقصيرنا السابق وتحقيق المكاسب ؟ وما هي ميادين العمل التي لابد من التركيز عليها ؟ وما الإمكانات التي نحتاج إليها لكي تثمر جهودنا لتصحيح صورتنا في المجتمعات الغربية ؟ ومن المسؤول عن أداء هذه المهمة ؟ وهل سنتنج فعلا ؟

إن نجاح جهودنا في السعي نحو تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية مرهون بعاملين اثنين، أولهما: وجود الاقتناع التام من المسلمين بضرورة العمل الجاد من أجل تغيير تلك الصورة، ومن المؤكد أن هذا الاقتناع موجود قبل الأحداث الأخيرة ولكنها تعززت أكثر بعد الأحداث، ولذلك تنادى الكثيرون على مختلف المستويات الرسمية والفكرية والشعبية على بذل الجهود في هذا الميدان، وبدأت بعض المؤسسات الإسلامية الناشطة في المجتمعات الغربية، وبخاصة في الولايات المتحدة، تنظيم برامج ونشاطات تستهدف الرد على الحملات المعادية للإسلام وتوضيح الصورة الصحيحة عنه.

ونشير هنا، على سبيل المثال، إلى ما يقوم به مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (Cai r ) من دور ملحوظ في مواجهة محاولات تشويه صورة الإسلام والمسلمين من قبل الوسائل الإعلامية والدوائر السياسية في أمريكا، وفي توعية الرأي العام الأمريكي بقضايا الإسلام والمسلمين وتحسين صورته، وينشط المجلس الآن في صنع الأخبار اليومية للمسلمين وتوزيعها على وسائل الإعلام الأمريكية والغربية عن طريق شبكة (Islam-info.net) وهي من أكبر شبكات الاتصال المسلمة في الغرب، كما يساهم المجلس في الرد على ما كتب ضد الإسلام والمسلمين في الصحف الغربية، وبخاصة الأمريكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت