خالد أبو الفتوح
مع التحفظ على استخدام كلمة (تحرير) فإن الحركة التي عرفت بذلك الاسم في مصر ـ إضافة إلى الحركة نفسها في تونس ـ تعد من أهم الحركات ذات الأثر الاجتماعي التي عرفها عالمنا العربي في عصوره المتأخرة.
وبالنظر إلى سبق التجربة المصرية وإلى موقع مصر وثقلها في العالم العربي والإسلامي فإن حركة تحرير المرأة فيها تعد حركة خصبة جديرة بالدراسة والاستفادة منها لمعالجة آثارها من ناحية، ولأنها مرشحة للتكرار بشكل أو بآخر في مواطن أخرى من ناحية ثانية.وقبل أن أذكر بعض هذه الدروس ـ وهي عموماً ملحوظات أولية تحتاج إلى مزيد بحث ونقاش وبسط ـ أحب أن ألفت النظر إلى ملحوظتين عامتين:
الأولى: هي أن واقع المرأة المصرية ـ والمسلمة عموماً ـ آنذاك كان واقعاً يسوده الجهل والتخلف وأحياناً كثيرة القهر والظلم، وقد كان ذلك الواقع ينسب عند كثيرين من العامة إلى الدين والشرف والرجولة.. ولم تكن هذه الصورة منبتَّة الصلة عن واقع المسلمين عموماً الذي كان انحرافهم عن دينهم قد أدى إلى أمراض وتقهقرات (حضارية) كثيرة.
الثانية: عندما ظهرت حركة تحرير المرأة المصرية بدا أنه يتفاعل فيها ثلاثة تيارات: اثنان منها رئيسان، هما: التيار المحافظ، والتيار (الوسطي الإصلاحي) ـ بحسب النظر إلى الطرفين وليس إلى اعتداله ـ والتيار الثالث كان ثانوياً من حيث حجمه ولكنه كان خطيراً من حيث دوره، وهو التيار التحرري الغربي؛ فإضافة إلى كون هذا الأخير حاداً في هجومه واضحاً في تبعيته، فإنه لعب دور (الفزاعة) للتيار المحافظ وللرأي العام، فكان وجوده يدفع من لا يرضى عن واقع المرأة ـ وكان لا يرضي كثيرين من أصحاب الفكر والضمائر ـ إلى تيار الوسط الإصلاحي والالتفاف حوله والرضا به رغم كون أفكاره والقائمين عليه ليسوا فوق مستوى الشبهات، ومن هذا التيار (الوسطي الإصلاحي) خرجت الدعوة (العملية) لتحرير المرأة لتتفاعل في المجتمع وتسير به خطوة خطوة في عملية متدرجة متصاعدة صبت في النهاية باتجاه تيار (الفزاعة) الذي بات مألوفاً فيما بعد (التيار التحرري الغربي) .
وقد كان لهاتين الملحوظتين أثرهما في مسيرة هذه الحركة.
وهاكم بعض الملحوظات التي نرى فيها دروساً ينبغي وعيها والاستفادة منها:
* تحرير المرأة كتلة ضمن بناء ضخم:
يشير أحد الباحثين إلى خطوط التماسِّ بين العرب والغرب، فيقول: «... أدى تسرب الثقافة الغربية إلى العالم العربي إلى قيام ثلاث حركات كبرى متداخلة بعضها في بعض:
أولاها: سياسية: وتتمثل في تزايد المطالبة بتقرير المصير.
وثانيتها: اقتصادية اجتماعية: وتظهر في زيادة الطلب على بضائع الغرب وفنونه واقتباس المعايير الغربية ـ بتعديلها أو بدون تعديل ـ في تنظيم المظاهر المادية والخارجية للحياة العربية. كما ظهرت أيضاً في المطالبة بتحرير المرأة، وإلغاء نظام تعدد الزوجات، والسفور، والمطالبة بتحسين أحوال العامة من الناس.
أما الحركة الثالثة: فثقافية وخلقية: فمن الجانب الخلقي أصبح أساس السلوك السليم هو الاقتناع الذاتي بسلامته والرغبة في المحافظة عليه، ومعنى هذا أن سلامة السلوك لم يعد أمراً تحتمه التقاليد أو النصوص المقدسة، بل أمر تقرره حرية الفرد وشعوره بدوره الاجتماعي... » (1) .
وقد احتلت قضية تحرير المرأة مكاناً بارزاً في حركة الاختراق الغربي لعالمنا العربي والإسلامي، حتى إن المعتمد البريطاني (كرومر) يشير إلى أن «وضع النساء في مصر وفي البلاد الإسلامية يعد عقبة قاتلة تحول دون رفع المستوى الفكري والشخصي الذي يجب أن يصحب دخول الحضارة الأوروبية إلى هذه البلاد [مصر] ، وإذا أرادت هذه الحضارة أن تحقق أفضل فائدة ممكنة فليس أمامنا إلا تعليم المرأة... ويذكر كرومر ما نصه: إن هناك سؤالاً مفتوحاً يحتاج إلى إجابة، ألا وهو: هل تعليم المرأة [حسب المنظومة الغربية] يمكن أن يترك آثاراً صحية وإيجابية على سلوك الرجال؟ كما أنه يناقش على المستوى التصوري النتائج التي قد تنشأ عن ضعف التأثير الأخلاقي لتعليم المرأة، وما قد يترتب عليه من يأس من متابعة جهود الإصلاح، كما أنه يشير إلى أن تعدد الأدوار الإصلاحية (توجيه وإرشاد وشرح ومناقشة) لن تحدث التأثير المرجو ما لم يكن المرء قادراً على رفع مستوى المرأة، فذلك هو المدخل الأساسي لتنمية الرجل المصري وفق قواعد التعليم الأوروبي» (2) ، ولذلك نجد أن حركة تحرير المرأة تواكبت مع حركة اجتماعية وسياسية ووطنية قوية وشاملة. وعلى ذلك فمن الخطأ بمكان محاولة معالجة موضوع المرأة منفصلاً عن الأبعاد (الحضارية) الأخرى، فالمسألة مسألة رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون، وليست مسألة امرأة تخرج من بيتها أو لا تخرج، تعمل أو لا تعمل، ترتدي زياً معيناً أو لا ترتدي...
كما أن (كتلة) تحرير المرأة تحتوي على محاور متعددة عمل عليها دعاة التحرير، فكان هناك محور فكري ثقافي عمل من خلال النشاط في الصحافة والإعلام والتعليم الملوث بالأفكار العلمانية والاتجاهات الغربية، ثم بعد ذلك من خلال الأعمال الفنية المتنوعة.