فهرس الكتاب

الصفحة 22942 من 27364

كما كان هناك محور تشريعي عمل على تغيير التشريعات الخاصة بالمرأة والأسرة لتتوافق مع النظرة الغربية للمرأة وحقوقها، كأحكام الزواج والطلاق والقوامة والحضانة والميراث.

إضافة إلى ذلك كان هناك محور سياسي تمثل في إقحام المرأة إقحاماً في العمل السياسي، وفي التدخل بالضغوط السياسية بهدف التأثير على الأطراف المشاركة في الصراع حول القضية.

وقد كانت هذه المحاور متواكبة وإن أحرز بعضها تقدماً ملحوظاً عن غيره في فترات ما، ولكن أصحاب التوجه التغريبي والعلماني لم يكلُّوا عن استكمال الدائرة من جميع محاورها؛ فكما أننا يجب أن ننتبه إلى مكان (أو مكانة) الكتلة في البناء الكلي يجب أن ننتبه أيضاً إلى جميع العناصر التي تتكون منها هذه الكتلة، كما يجب أن ننتبه كذلك إلى المتغيرات والتطورات التي تطرأ دائماً عليها وعلى من يحملها وعلى المستهدفين منها.

* استغلال التباس الدين بالعادات والتقاليد:

التبست في الواقع آنذاك الأحكام الشرعية للمرأة بالعادات والتقاليد، فكان ينظر إلى بعض هذه الأحكام على أنها (عيب) ، كما كان ينظر إلى بعض هذه العادات والتقاليد الخاصة بالمرأة على أنها (حرام) حتى ولو لم تكن كذلك في الحقيقة. وقد يكون هذا الالتباس مفيداً على المدى القصير؛ حيث يكون هناك أكثر من حائط صد ضد الهجمات المتوقعة، ولكنه على المدى البعيد له خطورته: ففضلاً عن كونه قد لا يقدم الدين في صورته الصحيحة فإن الارتباط بين هذين الحائطين يجعل سقوط أحدهما سقوطاً للآخر بشكل تلقائي، وهذا ما فعله دعاة تحرير المرأة الأوائل، فإنهم دعوا إلى تحرير المرأة في بادئ الأمر باعتبارهم مهاجمين لأوضاع اجتماعية شائنة يرفضها الدين وليسوا مهاجمين للدين، واستخدموا في هذا الهجوم آراء شرعية تحتمل الصحة والخطأ ولكنها عموماً قد يكون لها قبول فقهي للترويج لدعوتهم؛ فماذا فعل الرافضون لهذه الدعوة؟

الذي حدث أن معظمهم تخندق في موقع (المحافظين) فرفضوا هذه الآراء ـ رغم وجاهة بعضها ـ من منطلق أنها (عيب وحرام) ، وليس أدل على ذلك من كون أبرز من ردوا على قاسم أمين عندما أخرج كتابه (تحرير المرأة) كان محمد طلعت حرب الذي ارتبط اسمه فيما بعد بتأسيس الاقتصاد الربوي في مصر، بل إن القبطي واصف بطرس غالي كان مع علي الشمسي ـ وهما عضوان في الوفد ـ ممن عارضوا أمر سعد زغلول لصفية زوجته بخلع (البرقع) ومواجهة مستقبليهم في مصر سافرة الوجه.. صحيح أنه قد يكون لواصف بطرس غالي أغراض أخرى من هذا الرفض، ولكن صحيح أيضاً أن هذا البرقع ارتبط بقيم معينة في أوساط طبقية واجتماعية معروفة بغض النظر عن دين صاحبته أو التزامها بهذا الدين.

والذي حدث أنه ـ رغم الردود على دعاة تحرير المرأة ـ فقد بقيت آراؤهم (الشرعية) يسعها الدين، وقد عزز هذه الآراء لدى الناس الواقع الذي كانت تعيشه المرأة، ومع طول الأمد، ومع المثابرة، ومع ضغوط القوى السياسية، ومع تغير تركيبة المرأة المصرية الفكرية والثقافية.. أصبحت آراء دعاة تحرير المرأة مقبولة، ومع قبولها انهارت المنظومة الاجتماعية الدينية الخاصة بالمرأة بأكملها.. وكان لا بد فيما بعد من تأسيس المنظومة من جديد على أسس صحيحة، وهي أن الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة (دين) يجب أن يلتزم به (كما هو) طاعة لله واستسلاماً له.

* سبق أصحاب الاتجاهات التغريبية في التأثير على المرأة وتبني قضاياها:

ويظهر ذلك جلياً في ظهور الصحافة النسائية وتعليم البنات:

فباكورة الصحافة النسائية كانت مجلة (الفتاة) التي أصدرتها عام 1892م هند نوفل التي تنتمي لأسرة لبنانية وخريجة إحدى مدارس الراهبات بالإسكندرية، وقد تولى والد هند اليوناني الأرثوذكسي ـ وكان كاتباً ـ إدارة مكتب (الفتاة) متناولين قضايا المرأة.

وفي يونيو 1896م ظهرت ثاني مجلة نسائية، وهي (الفردوس) للويزا حابلين التي نزحت عائلتها من قرية زوق ميخائيل بالشام.

وفي نوفمبر 1896م ظهرت مجلة (مرآة الحسناء) نصف الشهرية التي كان يصدرها (سليم سركيس) تحت اسم مستعار هو (مريم مظهر) .

وفي 1898م أنشأت ألكسندرا أفيرينوه، وهي تنحدر من أسرة يونانية أرثوذكسية كانت تتمتع بالحماية الروسية قبل نزوحها من بيروت، ودرست في إحدى مدارس الراهبات بالإسكندرية.. أنشأت مجلة (أنيس الجليس) الشهرية.. وجدير بالذكر أن ألكسندرا هذه مثلت نساء مصر في مؤتمر اتحاد المرأة العالمي للسلام المقام بباريس عام 1900م رغم أنها كانت حاصلة على الجنسية البريطانية، كما كان لها نشاط اجتماعي وسياسي ملحوظ، وكانت تعقد صالوناً دورياً بمنزلها يلتقي فيه المفكرون والكتاب والشعراء من النساء والرجال، وقد عدها أحد المسئولين البريطانيين «ذات فائدة كبيرة لجهاز مخابراتنا في هذا البلد [مصر] في العديد من المواقف» (1) .

وفي عام 1899م أنشأت إستر أزهري مويال ـ وهي يهودية من بيروت، ومتزوجة من شمعون مويال الماسوني ـ مجلة (العائلة) نصف الشهرية، والغريب أن إحدى الجمعيات الخيرية الإسلامية أسندت لهذه اليهودية إدارة مدرسة بنات تابعة للجمعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت