ومع احتدام الجدل حول قضايا المرأة في مطلع القرن العشرين خاصة بعد ظهور كتابات قاسم أمين ـ بدأ في الظهور الصحافة النسائية (الإسلامية) ، أي التي لا يملكها ويصدرها غير مسلمين، وإلا فإن الوعي الإسلامي الصحيح بمثل هذه القضايا لم يكن تبلور بعد: فظهرت مجلة (الهوانم) الأسبوعية عام 1900م، ويرأس تحريرها أحمد حلمي، وفي العام نفسه ظهرت مجلة (المرأة في الإسلام) نصف الشهرية، ويرأس تحريرها إبراهيم رمزي، وفي العام التالي ظهرت مجلة (المرأة) نصف الشهرية ورأست تحريرها أنيسة عطا الله ـ وهي في الغالب مسلمة من الشام ـ، وظهرت أيضاً مجلة (شجرة الدر) الشهرية، ورأست تحريرها سعدية سعد الدين زادة، وهي أول مصرية مسلمة تصدر مجلة نسائية.
وفي عام 1902م ظهرت (الزهرة) لمريم سعد، ثم في عام 1903م ظهرت (الموضة) لسليم خليل فرح، «وقد تراوحت موضوعاتها من النقد الاجتماعي إلى التسلية، ولكن معظم هذه المجلات كانت قصيرة الأجل لم تترك أثراً يذكر» (1) . ثم عاود النصارى الشوام إصداراتهم، فصدرت مجلة (السعادة) برئاسة تحرير ريجينا عواد عام 1902م، وفي عام 1903م أصدرت روزا أنطون التي تنتمي لأسرة يونانية أرثوذكسية نزحت من بيروت، وهي أخت فرح أنطون صاحب مجلة الجامعة وزوجة نيقولا حداد الكاتب المعروف، وكلاهما من الداعين إلى الفكر الاشتراكي، أصدرت مجلة (السيدات والبنات) .
وفي عام 1906م أصدرت لبيبة هاشم، وهي بيروتية مارونية درست في مدارس الإرساليات الإنجليزية والأمريكية، وكانت متزوجة من عبده هاشم الماسوني المعروف، أصدرت مجلة (فتاة الشرق) الشهرية، لتستمر في الصدور ثلاثة عقود بدون توقف، وهي أطول فترة صدور لمجلة نسائية آنذاك، وقد نشطت لبيبة على مستوى الجمعيات النسائية، وجابت أنحاء مصر وسورية لإلقاء محاضراتها.
وبعد ذلك صدرت عدة مجلات نسائية لمصريات قبطيات ومسلمات معظمهن صاحبات رؤية مشوشة وملتبسة عن المرأة والإسلام، وقد كانت مجلة (الريحانة) التي أصدرتها جميلة حافظ عام 1907م أول مجلة ترى في الإسلام طريقاً لتحسين أوضاع المرأة، مؤكدة أن العلمانيين والحداثيين لا يمكنهم احتكار الدفاع عن حقوق المرأة، ولكن هذه الخطوة جاءت متأخرة خمسة عشر عاماً استطاع فيها هؤلاء العلمانيون والحداثيون بذر أفكارهم في المجتمع المصري بشكل أو بآخر.
والأمر نفسه يمكن قوله عن التعليم؛ وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى الدور الخطير الذي لعبته إرساليات التنصير الأجنبية والحكومات والجاليات الأجنبية؛ فقد كان للمدارس التي أنشؤوها ثلاثة أهداف: هدف ديني يتمثل في التنصير ونشر مذاهبهم الدينية، وهدف طائفي يتمثل في تزويد أفراد الجاليات بثقافاتهم الخاصة، وهدف سياسي يتمثل في نشر الثقافات والدعاية السياسية الأجنبية.
وعلى هذه الأهداف أنشئت في عام 1835م أول مدرسة أجنبية للبنات على يد المستر ليدز أحد المبشرين الإنجليز، ثم جاءت راهبات المحبة وأسسن مدرسة لتربية البنات سنة 1846م، وحذا حذوهن الراهبات الفرنسيسكان وأنشأن مدرسة بالقاهرة سنة 1859م، ثم أسست مس وتلي سنة 1860م مدرسة إنجليزية، وقد نجحت بعد عشر سنوات من الدأب والمجاهدة في جذب كثير من الفتيات المصريات إليها، ثم أنشأت الراهبات الفرنسيسكان مدرسة أخرى ببولاق سنة 1868م، وغيرها بالمنصورة سنة 1872م.
ولمواجهة هذه الحملات (التبشيرية) المذهبية بدأ الأقباط في منتصف القرن التاسع عشر في إنشاء مدارس للبنات، فأسست الكنيسة القبطية مدرسة للبنات في حي الأزبكية عام 1853م، وأخرى في حارة السقايين بالقاهرة تحت إدارة البطريك سيريل الرابع، كما تم إنشاء مدارس قبطية أخرى بجهود أهلية.
وكان لليهود أيضاً مدارسهم الخاصة بهم، ففي عام 1840م افتتح أدولف كريميو ـ وهو أحد رجال الدولة اليهود بفرنسا ـ عدة مدارس في القاهرة والإسكندرية، ورغم أن هذه المدارس ما لبثت أن أغلقت أبوابها إلا أن الطائفة عادت فأنشأت مدرسة للبنات في الإسكندرية عام 1862م، ثم جاءت الدفعة اليهودية التالية لتعليم البنات في التسعينيات من القرن التاسع عشر، عندما افتتحت جماعة الأليانس الإسرائيلية العالمية ـ وهي مؤسسة خيرية يهودية فرنسية ـ مدارس تعليم مشترك بالقاهرة والإسكندرية وطنطا.
وبعد أن أخذت هذه الاتجاهات زمام المبادرة أنشئت أول مدرسة مصرية (غير طائفية) ـ بخلاف مدرسة الحكيمات التي أنشئت عام 1832م ـ برعاية إحدى زوجات الخديوي إسماعيل سنة 1872م هي المدرسة السيوفية، من أجل تعليم الجواري وبنات العائلة المالكة وكبار موظفي الدولة. وإضافة إلى الكتاتيب وبعض المدارس التي أنشئت بجهود فردية تعد جمعية تعليم البنات الإسلامية التي أنشئت عام 1901م باكورة العمل الموجه لتعليم البنات المسلمات.
ويمكن القول إن هذه المدارس كانت إسلامية الانتماء، وهناك علامات استفهام كثيرة حول المفاهيم والمناهج التي كانت تدرسها، وهو ما يدل عليه ما سبق ذكره من تسنم إحدى الناشطات اليهوديات الماسونيات إدارة مدرسة بنات تابعة لجمعية خيرية إسلامية.