د.محمد أحمد الخضراوي**
*العلمانية وسياسة المركز
*العلمانية والازدواجية
*الحجاب: الأنماط الاجتماعية
*العلمانية وحقوق الإنسان المتعالي
كانت ميزة خطاب"جاك شيراك"السلبي الذي ألقى خلاله القنبلة الأخيرة للعام 2003 في 17 ديسمبر على العرب والمهاجرين، أنه أسقط رهان الليبرالية المطروح كشعار علماني محايد، وصار يقتحم الحريات الخاصة، ويتعقب السلوكيات الفردية. ولم يكن لخطاب الرئيس الفرنسي مدلول حضاري، أو قيمة إنسانية يدافع عنها، إنه سياق تصنيفي موجه، يحرض على التمييز الاجتماعي، والتفريق العنصري بين أبناء المجموعة الوطنية الواحدة، أو بينها وبين المهاجرين اللائذين بها؛ احتماء بقوانينها، وفرارا من الضيق الاقتصادي، والتضييق السياسي الذي صار حتمية من حتميات وجود العالم الثالث.
لقد كشف شيراك آنذاك البعد الحقيقي للعلمانية، وفضح منهجها الإقصائي الذي يلغي وجود المعتقدات الدينية، فأوقف بذلك الضجيج السائد حول الفكر البدائلي الذي كانت تجسده الأحلام العلمانية في زمان سقوط الإيديولوجيات، وهي بهذا الشكل التوتاليتاري المذكور، فقد طوق العقل العربي داخل جغرافيا المصطلح بشكل شمولي، فقرأ فيزيولوجيا مفردة العلمانية (إذا ما كانت عينها مفتوحة أم مكسورة) ، وبحث في إيتيمولوجيا العبارة (هل هي من العلم بالمعنى الموضوعي، أم أنها معتقد ينافس كل معتقد) ، وفحص أيديولوجيا الدلالة (إذا كانت مواقفية ترتطم بالدين، أم أنها مشروع ليبرالي ينتظم كل دين) ، وقد غاب عن هذه التحريات والتحقيقات النظرية الإشكال الحيوي الذي تثيره المسألة العلمانية في العالم العربي من حيث علاقتها الالتباسية بالحقوق الاجتماعية وبالمعتقدات وبالمؤسسات. إنها تبدو من الأنساق الكبرى التي لا تقف على أرضية حيادية، ومواقف موضوعية تبرئها من الانحياز والانزياح الأيديولوجي.
فالعلمانية المتفرعة عن الأيديولوجيات اليسارية المنقرضة تظل حليفة دائمة للأنظمة القائمة تدفعها إلى ذلك عقلية انتفاعية خالصة، من أجل هذا لا تجيب عن القضايا المستعصية في البلاد العربية، والاستفهامات الملحة التي تفجر نفسها لتكشف التناقض بين الشعار والأداء، والخطابات الديماغوجية: هل الحرية الدينية المباحة والمفروضة تتماثل مع الحرية السياسية المفترضة؟ أم أن الليبرالية السياسية تبقى من التابوهات والممنوعات الأبدية؟ وهل يكون البرنامج السياسي ممارسة ديمقراطية واقعية تظل محايدة بإزاء الاختبارات الوطنية، ولو ناهضت السياسات العلمانية القائمة؟ أم أن البرنامج العلماني مجرد خفير وحارس لنظام دوغمائي منقفل يتمنى المصادرة والهيمنة على الزمان والمكان والإنسان؟.
واللافت أن السيد شيراك افتقد منطقه منطقية هذا السؤال، فمنع الحجاب باعتباره رمزًا دون أن يعرج على الرموز الفلسفية (الإلحاد مثلا) ، والرموز السياسية (النازية والصهيونية) التي تعربد في المعاهد والجامعات والنقابات والإعلام، في حين أن قوانين عام 1936؛ نظرًا إلى العنف الذي ساد المؤسسات التعليمية بين اليمين واليسار، منعت إبداء كل رمز سياسي.
إننا وإن كنا لا نعبأ بالعلمانية العربية؛ لكونها مجرد مجاز سياسي (علمانوية) يتناظر مع ديمقراطية الأنظمة العربية الحاكمة التي تستتر بشعارات الموضة الكونية (الديمقراطية وحقوق الإنسان) لتخفي العجز والفراغ والفوضى، فإننا من قبيل الانتماء والمعايشة الميدانية، نقدر العلمانية الفرنسية حق قدرها، وإن نحن ناقشناها بعقل نقدي، لا هجاء فيه، فمن أجل هذه الراهنية المشبوهة التي فرضها نظام العنف العالمي الجديد، وانتهت إلى تضارب في الأفكار والمقولات والسلوكيات.
العلمانية وسياسة المركز
يستحوذ الالتباس على القرار الفرنسي بمنع الحجاب من جهة الترابط العضوي القائم بين العلمانية والمركزية الغربية باعتبارها مملكة الاستعمار، وورشة لصناعة الانحراف الأيديولوجي، وبؤرة تاريخية للقطيعة مع الآخر الدوني؛ فالعقل الأوروبي الأنواري الحديث لم يتوقف منذ هيغل (المتوفى 1831) على التفخيم من شأن الحضارة الغربية، وإقصاء ما سواها.
ذلك أن الغرب وحده هو النموذج الوحيد للحضارة الكونية ابتداء من اليونان، ثم الرومان، وانتهاء بالثورة الفرنسية؛ فألمانيا الجرمانية.
غير أن هذا الوجه الحضاري الفريد، لم يتأخر عن تفجير غاياته الصراعية وحقيقته المتوحشة، وممارسته ألعاب الارتقاء اللاطبيعي والانتقاء العسكري؛ فالنازية مثلا صناعة ألمانية محلية كان هدفها التصفية العرقية العالمية، ويروي اليهود أنها قتلت منهم 6 ملايين حرقا، والفاشية التي مارسها فرانكو وموسيليني، والإقطاعية القيصرية هي بدورها منتجات أوروبية صرفة، وكذلك الاستشراق والاستعمار، وقهر الشعوب المستضعفة، كانت كلها إفرازات الحضارة الأوروبية المحكومة بآليات الصراع التاريخي والثقافي.