د. محمد عمارة
مشكلتنا، في مواجهة الهجوم على الإسلام، والإساءة إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وخاصة تلك التي تتكرر من دوائر سياسية ودينية وإعلامية في الغرب.. أننا نتعامل مع هذه الهجمات والإساءات تعاملًا غير صحي، يتسم في أغلب الأحيان، بالتجزيئية والموسمية والانفعالات، التي سرعان ما تتبخر، مع بقاء المواقف المعادية على حالها.. بل ربما هي في تصاعد وازدياد..
وحلًا لهذه المشكلة، فإن العقل المسلم، ومؤسسات العلم والإعلام الإسلامية، عليها أن تعي عددًا من الحقائق، التي تمثل ثوابت حاكمة أو يجب أن تكون حاكمة لمواقفنا إزاء هذه الهجمات.
وأولى هذه الحقائق: هي إدراك الجذور العميقة للعداء للإسلام عند الآخرين.. فمنذ ظهور الإسلام بدأ العداء له، والتهجم عليه، والافتراء على رسوله صلى الله عليه وسلم . ولقد سجل القرآن الكريم، وسجلت السيرة النبوية، هذه الحقيقة، باعتبارها سنة من سنن التدافع بين الحق والباطل:"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" (البقرة: 217) ،"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير"109 (البقرة) ،"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" (8) (الصف) ،"إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون"36 (الأنفال) ... ولقد اعترف كثير من الغربيين بقدم العداء الغربي للإسلام، حتى قال القائد والكاتب الإنجليزي"جلوب باشا" (1897 1986م) :"إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط أي مشكلة الغرب مع الشرق الإسلامي إنما يعود إلى القرن السابع الميلادي"! أي إلى ظهور الإسلام!!
فنحن إذن أمام موقف ثابت وقديم.. ولسنا أمام مقال هنا ورسم"كاريكاتوري"هناك.. ومن ثمَّ فنحن في حاجة إلى استراتيجية ثابتة ودائمة لمواجهة هذا العداء وهذه الهجمات.
والحقيقة الثانية: هي أن هذا الغرب الذي تأتي منه أغلب هذه الهجمات ليس كتلة واحدة ولا موقفًا واحدًا إزاء الإسلام.. صحيح أن الأكاذيب والافتراءات تملأ الكتب المدرسية الغربية حتى لقد رُصدت هذه الأكاذيب في مشروع بحثي أنجز في ألمانيا، فبلغت ثمانية مجلدات!!.. وصحيح أن هذه الأكاذيب تنتشر في الثقافة الشعبية الغربية التي تصور المسلمين عبدة للثالوث!!.. وتصور رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم كاردينالًا كاثوليكيًا رشح نفسه في انتخابات البابوية، فلما رسب أحدث انشقاقًا هو الأكبر والأخطر في تاريخ النصرانية!!.. إلى آخر مخزون ثقافة الكراهية السوداء في المجتمعات الغربية إن كان له آخر!... لكن.. ومع هذا.. فإن هناك عددًا كبيرًا من علماء الغرب ومفكريه قد قادتهم عقولهم إلى احترام الإسلام والثناء على حضارته، والإنصاف لتاريخ الأمة الإسلامية.
ولذلك، فعلينا أن نواجه الافتراءات الغربية بمشروع فكري نقدم فيه للغرب وعلى نطاق واسع... شهادات هؤلاء العلماء والمفكرين الغربيين، المنصفة للإسلام، وذلك من باب"وشهد شاهد من أهلها".. فالأمر المؤكد أن هذه الشهادات ستكون أجدى وأفعل في كشف الزيف الذي تمثله حملات العداء والتشويه للإسلام..
والحقيقة الثالثة: هي أن أفكار الجمود والتقليد والغضب والعنف، التي لا تخلو منها مجتمعاتنا الإسلامية، يسلط أعداؤنا عليها كل الأضواء، بل ويبالغون في تصويرها حتى تغطي على تيار الوسطية والاستنارة والاعتدال في الفكر الإسلامي وهو التيار الأوسع والأعرض والأعمق وذلك لتشويه كامل الصورة الإسلامية، ولإخافة الشعوب الغربية من الإسلام، فتنخرط وراء حكوماتها الاستعمارية في الحرب على عالم الإسلام.. وفي مواجهة ذلك علينا أن نقدم للإنسان الغربي مشروعًا للتعريف بالإسلام نترجم فيه الفكر الوسطي الإسلامي، وأن تقدم هذا المشروع المؤسسات الإسلامية المعروفة بالوسطية والتاريخ العريق مثل الأزهر الشريف وذلك لنقول لهؤلاء الآخرين: هذا هو الإسلام، لمن أراد أن يعرف حقيقة الإسلام.
هناك علاقة جدلية بين"الدفاع"و"الهجوم"، وإذا كان"الدفاع"غير"الاعتذار".. فإن علينا ونحن ندافع عن الإسلام إزاء التهجمات التي توجه إليه، والإساءات التي توجه إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وخاصة من دوائر الهيمنة السياسية والإعلامية الغربية.. علينا ونحن نعرف الآخرين بحقائق سماحة الإسلام وعدالته أن نتخذ موقف الهجوم على الفكر العنصري والدموي الذي تزخر به المواريث الدينية والحضارية لدى هؤلاء الغربيين الذين يهاجمون الإسلام والذين يبصرون"القشة"في عيون غيرهم، ويتعامون عن"الأخشاب والأشواك"التي تمتلئ بها عيونهم!.. وعلى الذين ينتقدون"الخطاب الديني الإسلامي"أن ينظروا أولًا إلى خطاباتهم الدينية والثقافية، الطافحة بالعنصرية والدموية والاستعلاء والتمركز حول الذات وإنكار الاعتراف بالآخرين...