كذلك، يجب علينا ونحن ندافع عن الإسلام، ونرد سهام خصومه، أن نستخدم سلاح الوعي بحقائق التاريخ.. والوعي بحقائق الواقع الذي نعيش فيه.. فنذّكر الذين يتهمون المسلمين بالعدوانية والإرهاب: أن الشرق قد تعرض لعدوان الغرب واستعماره وقهره ونهبه منذ ما قبل الإسلام.. وبعد ظهور الإسلام.. فالقضية أقدم حتى من الإسلام!..
فالإغريق والرومان والبيزنطيون قد احتلوا الشرق وقهروه حضاريًا ودينيًا وثقافيًا ولغويًا عشرة قرون من"الإسكندر الأكبر" (356 324ق. م) في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى"هرقل" (610 641م) في القرن السابع للميلاد...
لما حررت الفتوحات الإسلامية أوطان الشرق وضمائر شعوبه من هذا القهر الاستعماري... عاد الغرب ليختطف الشرق من التحرير الإسلامي، فشن عليه حملاته الصليبية التي دامت قرنين من الزمان (1096 1291م) ، ولم يتورع الغرب إبان هذه الحروب الصليبية التي رفع فيها أعلام النصرانية عن أن يتحالف مع التتر الوثنيين ضد الإسلام!
ولما حررت دول الفروسية الإسلامية الشرق من جيوش الصليبيين وأزالت قلاعهم وكياناتهم الاستيطانية.. عاد هذا الغرب الاستعماري منذ إسقاط غرناطة (1492م) إلى القيام بغزوته الحديثة، فالتف حول العالم الإسلامي، ثم أخذ بغزوة بونابرت سنة 1798م في ضرب قلب العالم الإسلامي، ومازلنا نعالج آثار هذه الغزوة، التي مضى على بدايتها خمسة قرون.. والتي لم يتورع فيها الغرب الاستعماري الحديث عن التحالف مع أعدائه التاريخيين اليهود الصهاينة ضد الإسلام والمسلمين كما سبق وصنع الغرب الصليبي بتحالفه مع الوثنية التترية في العصر الوسيط!
ثم... على الغرب الاستعماري أن ينظر قبل اتهامه الإسلام وأمته بالعدوانية والإرهاب! - أن ينظر إلى خريطة الواقع الذي نعيش فيه..
فشركات الغرب العابرة للقارات والجنسيات، تنهب ثروات العالم الإسلامي وموارده الخام بأرخص الأسعار، في الوقت الذي يصدرون فيه إلينا سلع الاستهلاك الترفي والترف الاستهلاكي بأغلى الأسعار.. ويعملون على حرماننا من التنمية والتقنية وامتلاك أدوات القوة الصناعية!
والقواعد العسكرية الغربية تغطي أغلب بلاد العالم الإسلامي.. حتى لقد تحولت بلاد عربية وإسلامية إلى قواعد عسكرية!!.. ولا شيء غير القواعد!!.. وذلك لحراسة النهب الاقتصادي، والعدوان على سيادة الدول الإسلامية!
والأساطيل الحربية الغربية غدت تحتل بحارنا ومحيطاتنا.. بل وتحولت مناطق من عالم الإسلام إلى مدافن للنفايات القاتلة.. بعد أن تحولت شعوبنا وزراعاتنا إلى حقول تجارب للفاسد والضار من الأسمدة والمبيدات والأدوية!!
والغرب، الذي يحرم شعوب الإسلام دون غيرها من حق تقرير المصير.. هو الذي يعطي هذا الحق للأقليات التي هي جزء أصيل من الشعوب الإسلامية، حتى غدا هذا الحق لأول مرة في تاريخ الشرعية الدولية.. أداة تفتيت للدول ذات السيادة بدلًا من أن يكون أداة لتحرير الشعوب من الاستعمار، ما حدث ويحدث في"تيمور الشرقية"وفي جنوب السودان.
يحدث ذلك في واقعنا الإسلامي.. بينما لا تجد في الغرب جنديًا مسلمًا.. ولا شركة إسلامية، ولا حتى سفينة إسلامية لصيد الأسماك!! ومع ذلك يتحدثون عن عدوانيتنا وإرهابنا.. غافلين ومتغافلين عن حقائق التاريخ، وحقائق الواقع الذي نعيش فيه.. فهل نعي نحن دور هذا الوعي بالتاريخ الواقع في هذا الصراع؟!
فصل جديد.. وليس الأخير!
في 30 سبتمبر سنة 2005م نشرت إحدى الصحف الدانماركية"بولاندس بوسطن"رسومًا كاريكاتورية مسيئة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكانت هذه الرسوم ثمرة"لمسابقة"أجرتها الصحيفة بين رسامي"الكاريكاتور"ليتخيلوا ويرسموا رسول الإسلام، في الصورة التي رسمتها في مخيلتهم ثقافتهم الغربية وتراثهم عن رسول الإسلام.. وكانت الحصيلة اثني عشر رسمًا، منها ذلك الرسم الذي يصور رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم معتمرًا عمامة في شكل قنبلة!!
نعم.. فرسول السلام العادل، والتوحيد الخالص، والرفق بالطبيعة والجمال، فضلًا عن الإنسان والحيوان والنبات، قد صورته الثقافة السائدة في التراث الغربي"إرهابيًا"، نشر دينه بالسيف والدم.. وها هي تعاليمه الآن الإسلام قد غدت"الإرهاب"الذي يشيعه في العالم أتباعه"الإرهابيون"!!
وعندما استفزت هذه الرسوم سفراء الدول العربية والإسلامية في"كوبنهاجن"عاصمة الدانمارك ودعتهم السفيرة المصرية للاجتماع والاحتجاج.. وطلبوا مقابلة رئيس الوزراء الدانماركي، رفض مقابلتهم، قائلًا: إن ما نشرته الصحيفة لم يخرج عن حدود القانون.. وإن الحكومة الدانماركية لا تتدخل فيما هو من حرية التعبير!
ومع تسرب أنباء هذه الرسوم إلى أجهزة الإعلام في البلاد الإسلامية، غضبت الجماهير لرسولها الكريم، ولمقدسات دينها الحنيف، فعقدت المؤتمرات، وصدرت البيانات، واندلعت المظاهرات، وسقط الشهداء.. وبدأ جمهور الناس في مقاطعة البضائع الدانماركية.. وانخرطت قطاعات من النخبة في الكتابة والخطابة دفاعًا عن العقائد والمقدسات.