فهرس الكتاب

الصفحة 12004 من 27364

حُمَّى التطبيع تجتاح المنطقة المغاربية

الرباط - د.مصطفى الخلفي

شكلت الخطوة الموريتانية برفع درجة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني إلى مستوى السفراء، تعبيرًا جديدًا عن حالة التشرذم في العلاقات المغاربية فيما يتعلّق بمسألة التطبيع، وانضافت إلى الخطوات الجارية على صعيد باقي دول المنطقة.

لقد أثارت هذه الخطوة مفاجأة عدد من الأطراف، إلا أنها جاءت محصلة موضوعية لتراكم عدد من الخطوات طيلة السنوات الثلاث الماضية، وقد ساهم فوز"إيهود باراك"في الانتخابات الإسرائيلية في مايو المنصرم، ثم الديناميكية التطبيعية التي واكبت جنازة العاهل المغربي الراحل أواخر يوليو الماضي، في إعطاء دفعة لمسلسل التطبيع.

لماذا يتقدم المغرب وموريتانيا هذا المسلسل؟ وما هو وضع باقي الدول المغاربية؟ وما هي أبعاد وحيثيات هذه التطورات؟

رهانات جيوستراتيجية واقتصادية كبرى

قبل الانخراط في دراسة حالة كل دولة مغاربية على حدة، يجدُر بنا استيعاب الإطار العام المحدد للتطورات آنفة الذكر؛ فمنذ منتصف عقد التسعينات، تبلورت معالم سياسة أمريكية جديدة تجاه المنطقة المغاربية، وتمثلت في مبادرتين؛ الأولى: من خلال الحلف الأطلسي، وهي مبادرة الحوار المتوسطي والذي بدأ منذ سنة 1994 ، ويضم الناتو وست دول متوسطية هي: مصر، والأردن، وموريتانيا، والمغرب، وتونس، وإسرائيل، وذلك في إطار برنامج"الشراكة من أجل السلام". وفي سنة 1997 تشكلت قوات إفريقية للتدخل السريع بتأطير الولايات المتحدة ضمت تونس في أفق إلحاق باقي دول المنطقة.

المبادرة الأمريكية الثانية هي مبادرة الشراكة المغاربية - الأمريكية المسماة بمبادرة إيزنستات والتي أُعلن عنها في يونيو 1998، وتستهدف المغرب والجزائر وتونس من أجل تأسيس منطقة للتجارة الحرة بين هذه الدول والولايات المتحدة ، وترى فيها الدول المغاربية الثلاث منفذًا للخلاص من الأزمة الاقتصادية المستحكمة، ولا سيما بعد تعثر مشروع الشراكة الأورو متوسطية ، وإعلان الولايات المتحدة عن تخصيصها ما يُناهز ملياري دولار للبداية في تنزيل المشاريع الاستثمارية لبرنامج الشراكة.

بالإضافة إلى هذه المبادرة الأمريكية، هناك رهان اقتصادي أكبر يحتوي هذه المبادرة، وهو رهان لإعداد والتحضير لاستئناف عقد القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد أعلن وزير التجارة الأمريكي"وليام ديلي"أثناء جولته في أواسط أكتوبر 1999 في المنطقة العربية- والتي زار فيها ثماني دول وهي: الأردن، والسلطة الفلسطينية، ولبنان، ومصر، والمغرب، والإمارات، والسعودية ثم إسرائيل- أن القمة الاقتصادية من المرتقب عقدها في ربيع 2000.

يمكن القول إن السعي الأمريكي لتقرير مكانة الدولة العبرية عبر إحكام القبضة العسكرية على المنطقة المغاربية من جهة، وتقوية الهيمنة الاقتصادية على المنطقة ورهنها بمسلسل التطبيع الاقتصادي من جهة أخرى، يمثل الإطار الجيوستراتيجي/ الاقتصادي لحُمَّى التطبيع.

حيثيات التسابق المغاربي نحو التطبيع

حالة التسابق الرهيب بين الدول المغاربية -مع استثناء ليبيا- لتطوير علاقاتها مع الدولة العبرية، تكشف عن وجود حيثيات خاصة بكل دولة على حدة.

بخصوص الجزائر:

فقد شكلت مصافحة بوتفليقة لباراك بالرباط، يوم جنازة الملك الحسن الثاني، تعبيرًا جليًّا عن وجود إرادة جزائرية للانخراط في مسلسل تطبيع العلاقات مع إسرائيل،"المصافحة/ اللقاء"تمت بإعداد محكم من طرف اليهود المغاربة، ورغم أن بوتفليقة نصّ على الحقوق المشروعة للشعوب العربية، إلا أن نفَس التطبيع كان طاغيًا على خطابه.

وعلى إثر انتقادات وجِهت له، اعتبر أن قبوله المصافحة كان من باب"وإذا حييتم بتحية فحيوُّا بأحسن منها أو ردّوا بمثلها"وأنه لا توجد هرولة أو مزايدة من طرف الجزائر. وتطور الأمر في حوار صحفي ليُعلن أن المصافحة كانت مصيدة، إلا أنه في 24 أكتوبر المنصرم أجرى مقابلة مع صحف إسرائيلية، أعلن فيها عن"أن هناك آفاقًا واسعة للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل والجزائر"، وأنه لا يشعر بأي عداء لإسرائيل، كما سيلتقي بوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي"شلومو بن عامي"و"شمعون بيريس"على هامش مؤتمر"حوض البحر الأبيض المتوسط- عشية الألفية القادمة"وقد انعقد المؤتمر نهاية الأسبوع الثالث من أكتوبر الماضي، وقد كشفت مصادر إسرائيلية عن أن هناك اتصالات مع الجزائر منذ سنة، وتهم المجالات العلمية والثقافية والإعلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت