و قد فسر هذا التأرجح بكون الجزائر/بوتفليقة، وبعد تصاعد الحضور الديبلوماسي لها في الساحة العربية والإفريقية، وجدت في وفاة الملك الحسن الثاني فرصة لاحتلال موقعه في مسلسل التسوية بالشرق الأوسط، إلا أن الإصرار الأمريكي على الحفاظ على مكانة دور المغرب في هذا المسلسل، والذي برز في تصريحات أولبرايت، بعد زيارتها للرباط في 2 سبتمبر الماضي من جهة، وتوتر العلاقات المغربية - الجزائرية، وعودة الجمود إلى الاتحاد المغاربي من جهة أخرى، خفّض من وتيرة السعي الجزائري للتطبيع دون أن يؤدي ذلك إلى التراجع، لا سيما وأن الرئيس الجزائري كان يخوض حملته حول قانون الوئام المدني. وفي المرحلة الحالية طُرح ملف التطبيع على أجنده الديبلوماسية الجزائرية، خاصة بعد خلاف بوتفليقة مع المؤسسة العسكرية.
بالنسبة لتونس:
فحضورها يبدو خافتًا أو بالأصح متواريًا، ففي 29 يوليو الماضي، عين الكيان الصهيوني رئيسًا جديدًا لمكتب الاتصال الإسرائيلي بتونس، حيث انتهت مهمة"شالوم كوهن"وعوّضه"بني عمير"وكلاهما يهودي مغربي. حفل التوديع نُظِّم في مقر إقامة السفير المصري بتونس، وهو ما يكشف عن ضلوع الديبلوماسية المصرية في هذا المسار المتقدم من التطبيع. وقد اعتبر تغيير القائم بأعمال المكتب بمثابة إشارة سياسية من"باراك"للنظام التونسي للخروج من فترة الجمود في العلاقات التي سادت في مرحلة"نتنياهو"، وهو ما تفاعلت معه الديبلوماسية التونسية إيجابيًا.
بخصوص موريتانيا:
فهي تمثل حالة استثنائية في عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث بلغت مستويات متقدمة لم تتأثر فيها بسياسات"نتنياهو"، كما قبلت بأجندة تطبيعية متعددة.
بدأت العلاقات رسميًا في 27 نوفمبر 1995 بفتح مكاتب لرعاية المصالح، وفي نهاية أكتوبر 1998 قام وزير الخارجية الموريتاني، آنذاك"شيخ العافية ولد محمد خونا"بزيارة إلى الكيان الصهيوني عقد خلالها مباحثات سرية، إلا أن مصادر ديبلوماسية بواشنطن كشفت أن موريتانيا"اقترحت استقبال نفايات نووية من مفاعل ديمونة الإسرائيلي"فضلاً عن تمكين الكيان الصهيوني من إجراء اختبارات عسكرية للصواريخ طويلة المدى عبر إطلاقها من الكيان لإصابة أهداف في صحراء موريتانيا، وتعهد الكيان الصهيوني بتمويل مشاريع زراعية بها. وبعد ذلك بأسبوعين تم تعيين وزير الخارجية"ولد محمد خونا"رئيسًا للحكومة الموريتانية من طرف الرئيس"ولد الطايع"، مما اعتبر مكافأة له على حصيلة زيارته إلى إسرائيل، هذا في الوقت الذي كانت فيه موريتانيا تعيش أزمة سياسية عميقة تُوِّجت بإعلان أحزاب المعارضة عن مقاطعتها للانتخابات البلدية في يناير 99. وقد تم اعتقال اثنين من قادة المعارضة: أحمد ولد دادة، ومحمادين ولد باباه في منتصف ديسمبر 98 بسبب احتجاجهما على فضيحة دفن النفايات النووية بالصحراء الموريتانية، ومطالبتهما بتشكيل لجنة تحقيق في الموضوع، وقد انتهت المحاكمة بتبرئتهما في أواخر مارس99. كما توالت طيلة سنة 1999 برامج التطبيع على مختلف الأصعدة، رغم التحركات الشعبية المضادة التي قادتها لجنة مناهضة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقد جاءت خطوة تبادل السفراء بعد مدارستها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر الماضي، برعاية أمريكية مباشرة.
تفسير هذه التطورات يعود لعدة أسباب منها: الأزمة الاقتصادية الحادة بموريتانيا؛ والتي وصلت إلى مستوى تهديد وجود النظام الحاكم، فحسب مؤشر تقرير التنمية البشرية لسنة 1999 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، تُوجد موريتانيا ضمن لائحة الدول الأكثر تخلفًا في الرتبة 149، ولم تتجاوز نسبة نمو الناتج الوطني الخام في العشرين سنة الماضية 2.5 في المائة. ورغم أن مديونيتها لا تتعدى مليارين ونصف المليار دولار؛ إلا أنها عجزت عن تسديدها، واعتبرت من الدول المُثقلة بالديون؛ مما اضطرها إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي لتطبيق برنامج التقويم الهيكلي للاستفادة من غلاف مالي بقيمة 500 مليون دولار لمرحلة 1998-2000 ، ثم طلبت إعادة جدولة ديونها من نادي باريس في الخريف الحالي. ومما عمَّق من الأزمة الاقتصادية استثناؤها من مبادرة الشراكة المغاربية، وتأجيل بحث انضمامها إلى حين إنشاء الشراكة بشكل أفضل. كما عززت حالة الجمود الراهن للاتحاد المغاربي إحساس النظام الموريتاني بالعزلة والتهميش.
وهذا كله ما دفع النظام الموريتاني إلى الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني لضمان الموافقة على طلبات القروض ونذكر هنا أن إسبانيا - الوسيط الرئيسي في التطبيع الرئيسي مع إسرائيل - قدمت في الأشهر الثلاثة الأخيرة 4600 طن كمساعدة غذائية، منها 1300 طن قدمت يوم التوقيع على تبادل السفراء.
وقد شهدت موريتانيا تحركات احتجاجية شعبية قوية ضد الاعتراف الديبلوماسي بإسرائيل، كما دعت أمريكا رعاياها بموريتانيا إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وقد خلّفت الخطوة الموريتانية اعتراضات قوية من طرف العراق - الذي قطعت العلاقات معه- وليبيا والجامعة العربية.
حالة المغرب: