فهرس الكتاب

الصفحة 11927 من 27364

إدريس الكنبوري 19/1/1424

بعد الوعيد والتوعد المتكرر - وفي أكثر من اتجاه- أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية حربها المنتظرة ضد العراق. لقد أصاخ العالم إلى لعلعة الرصاص، وأزيز الطائرات في الوقت الذي كان العالم كله يريد أن يعطي للدبلوماسية حظها، وأن يمنح الفرصة لشيء يسمى الشرعية الدولية تجاوزا، لكن إدارة بوش -الغارقة حتى الإذنين في حمأة الخطاب الصهيوني والمسيحي المتطرف- فاجأت العالم بجموحها ووضعت كل شيء خلف ظهرها لتذهب إلى الغزوة.

أتوقع كثيرا: أن يكون أرييل شارون، صاحب اليد الملوثة بالدماء النظيفة، قد فرك يديه عدة مرات وهو يتلقى الخبر، فهذه الحرب بقربه ولحسابه أولا -حتى لو كانت لحساب الإدارة الأمريكية- فهي وجوبا تمر عبر إسرائيل المرابطة في المنطقة ككلب الصيد والعين الحارسة للمصالح الأمريكية فيها. وقد نشرت"يديعوت أحرونوت"العبرية - يوم 20مارس الحالي- قبيل ساعات فقط على الضربة الأمريكية للعراق، أن الولايات المتحدة منحت إسرائيل مليار دولار مساعدات مالية أمنية، من جملة التسعة مليارات التي طلبتها إسرائيل، عربونا على الحرص الأمريكي على أمن إسرائيل، وأبرقت (كوندوليزا رايس) بهذه البشارة إلى وزير المالية الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الليلة السابقة على العدوان الأمريكي، حسب الصحيفة المذكورة.

مهمة أمريكية جديدة

إن هذه الحرب تتجاوز المدى المعلن، وهو تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل، بالرغم من أن بوش صرح بُعيد بدء الضربات العسكرية على العراق أن"حرب تجريد العراق من أسلحته قد انطلقت"، فهذه لم تكن سوى أكذوبة أمريكية من بين أكاذيب عديدة؛ وظفتها الإدارة الجمهورية الجديدة - منذ 11 سبتمبر 2001- لتحقيق أغراضها. فهذه الحرب هي الحلقة الثانية في سلسلة الأهداف الأمريكية المتبلورة بعد أحداث 11 سبتمبر، تنتهي بحشر العالم في زاوية ضيقة وإعلان عصر"السلام الأمريكي".

لقد بدأت هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، الساعية إلى فرض الهيمنة بالقوة العسكرية الغاشمة ليلة 7 أكتوبر 2001 مع بدء العدوان العسكري ضد أفغانستان، وتجلت بوضوح في خطاب حالة الاتحاد يوم 29 يناير 2002 الذي قال فيه الرئيس الأمريكي أن العالم منقسم إلى ثنائية لا تقبل التصالح: الخير والشر. فأحداث الحادي عشر من سبتمبر وفرت لواشنطن الغطاء الإيديولوجي لهذه الاستراتيجية، وهو ما عبر عنه (ويليام كريستول) أحد المنظرين البارزين في التيار المسيحي المحافظ في عهد رونالد ريغن، والذي يلعب دورا بارزا آخر في عهد الإدارة الحالية عندما قال بصراحة لا يحسد عليها:"إن الإدارة الجمهورية الجديدة تريد بلا حرج لعب دور الصقر، وحدث 11 سبتمبر جعلها غير مبالية بأي تشكيك أوروبي، فالذين ليسوا معنا هم ضدنا".

طيلة العقود الخمسة الماضية، كان العراق في مركز التفكير الاستراتيجي الأمريكي حيال منطقة الشرق الأوسط والخليج، ولكن بما يشكله كورقة في الجغرافية السياسية وليس بما هو. فخلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي لعب العراق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية دور الحاجز دون التمدد الشيوعي، وشكل الحلقة المركزية فيما سمي بحلف بغداد أو السنتو. وخلال سنوات الثمانينات أدى العراق وظيفة الستار المانع من تمدد إيران الشيعية على عهد الخميني، أما في بداية التسعينات فقد جعلت منه الولايات المتحدة الورقة الضاغطة على بلدان المنطقة. واليوم تريد الولايات المتحدة أن يلعب العراق دورا آخر رسم له بالقلم والبركار في دوائر النفوذ النفطي والتسلحي الأمريكي، دور المعبر أو الجسر إلى بلدان المنطقة وثرواتها، أي أن العراق الذي لعب سابقا أدوار"السدّادة"يراد له اليوم أن يلعب دور"الفتّاحة"للمنطقة أمام النفوذ الأمريكي. ففي منظور الإدارة الأمريكية الحالية، يشكل العراق مفتاح"دمقردة المنطقة"، والدومينو الأول الذي ستتساقط بعده الدول الأخرى في الشرق الأوسط والخليج.

وقد عبر (روبير كاخان) -أحد الوجوه المعروفة في المعسكر اليميني المحافظ في أمريكا- عن هذا التوجه الأمريكي حيال العراق وبلدان المنطقة بقوله:"على الأمريكيين أن يعرفوا نوع المهمة التي سيباشرونها في العراق، ذلك أن إدراة بوش جادة، فالولايات المتحدة الأمريكية عازمة على البقاء على المدى البعيد في العراق والشرق الوسط، وهي مهمة لا تختلف عما قمنا به في اليابان قبل نصف قرن، إن الهدف لم يكن قلب نظام حكم ياباني عدواني وقهري، بل إعادة بناء السياسة والمجتمع اليابانيين كليا على صورة الولايات المتحدة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت