فهرس الكتاب

الصفحة 23907 من 27364

د. حسن بن صالح الحميد 18/9/1423

على امتداد مساحة اليابسة ينتشر المسلمون ؛ دولا وأقليات .. وهم يستأثرون بنصيب الأسد من الإشكاليات مع الآخر ، ويتمتعون بما دون الحد الأدنى من الحقوق في أكثر الأحيان . ويتساءل المرء: هل تم ذلك كله مصادفة ووقع بعفوية، أم هي طبيعة الفكر والحضارة التي ينتمي إليها المسلمون ، أم هي مشكلة الآخر عندما يكونون طرفا في قضية معه ؟؟

وإذا كان من اليسير القول بأنه لا مكان للصدفة في تفسير هذه الظاهرة ، لأن كثرة الشواهد ، وتكرر الحوادث يؤكد أن سببا أو أسبابا معقولة تقف وراءها ، يمكن سبرها وتشخيصها ، فلا مدخل للصدفة إذا ، ولا مكان للعفوية ، ومن يذهب هذا المذهب فقد ازدرى عقله أو بالغ في الاستهتار بعقول الآخرين.

إذا كان من اليسير نفي المصادفة والعفوية ، فإن من العسير القول بأن غير المسلمين هم السبب في كل ما جرى ويجري لنا نحن المسلمين ، وإذا كانوا هم البادئين بالعدوان ، والبادي أظلم ، فإننا شركاء في صناعة واقعنا المؤسف ـ بقصد أو بغير قصد ـ مما جرأ كل من هب ودرج ، على أمة كانت خير أمة أخرجت للناس .

ولندع تسلسل والحوادث تتكلم فهي أبلغ من ألف خطيب .

وبين يدي ذلك أقول: لا أحد يستطيع بجرة قلم أو برغبة ساذجة أو ماكرة أن يلغى عداوة غير المسلمين ـ أيا كانوا ـ للمسلمين ، وعداوة المسلمين لغيرهم، مهما حاول ، لأن مبدأ العداوة المتبادلة قد ثبت شرعا ، واستقر كونا وقدرا ( إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) ومحاولة الرضا مرفوضة شرعا ( فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) . ومستحيلة واقعا: ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) . وأن هذه العداوة قائمة على كل حال ، ومطردة على كل صعيد .

هذه حقيقة أصيلة في فهم العلاقات بين المسلمين وغيرهم . وأي عبث فيها أو تجاهل لها يفضي ـ لا محالة ـ إلى الإخلال بالتوازن الاستراتيجي بين المسلمين وغيرهم ، كما يعرض الأمن والسلام العالمي لخطر حقيقي، أكثر مما يعرضه اختلال توازن الرعب في الأسلحة غير التقليدية .

وقد أدرك الغرب الصليبي ، والشرق الهندوسي والوثني هذه الحقيقة فارتكز عليها في مواجهاته مع المسلمين ، كما أدركها المسلمون جيدا في قرون الإسلام الخالية فاستطاعوا هزيمة عدوهم في كل مواجهة استهدفت كيان الأمة وبيضتها وهيبتها؛ في المشرق الأدنى في الحروب الصليبية ، وفي المشرق الأقصى في الهند وما وراء النهر ، وفي المغرب في الأندلس . ولم يطمع أحد في خضد شوكة المسلمين ، بل كانوا من نصر إلى نصر .

وعندما فشا الجهل واستشرى الفساد ، سلط الله على هذه الأمة شرارها ، الذين كانوا في جملتهم أشبه بعدوهم منهم بأهل ملتهم ، فاجتهدوا في نزع فتيل عداوة الكافرين من قلوب عامة المسلمين ، بل زينوا لهم محبتهم والرضا بكفرهم، عن جهل حينا ، وعن سوء قصد أحيانا كثيرة ، فاختل ميزان القوى ، وأصبح إيمان الكافرين بعداوة المسلمين أظهر من إيمان كثير من المسلمين المتأخرين بعداوة الكافرين .

وتقبل أكثر المسلمين خدع النصارى وخيالات غيرهم ؛ أنهم لا يعادون المسلمين ، ولا يستهدفون دينهم ولا يتآمرون ضدهم . وروج لهذه الأفكار الكاذبة فئات من المنتسبين إلى الإسلام ، مستغلين جهل وقلة حيلة أكثر المسلمين ، ضاربين بعرض الحائط ثوابت الشرع القاطعة وحقائق التاريخ الدامغة .

فما هي النتائج الحتمية والثمار المخزية لهذه الانتكاسة العقدية ؟

ولن نذهب بعيدا في الاستدلال والتوثيق ، لأن مقالا كهذا لا يتسع للتفصيل .

وإليك ـ أيها القارئ الكريم ـ بعض الآثار ، على سبيل الإيجاز:

أولا: قبول فكرة الحوار بين الأديان بمفهومه الجديد ، وهي من بنات أفكار عبدة الصليب ، يستخدمونها لنزع فتيل التوتر كلما أنزلوا بالمسلمين نازلة ، أو تسببوا لهم في كارثة ، وكأن الحديث عن الديانات الإبراهيمية ، والاشتراك المجمل في الإيمان بالبعث واليوم الآخر يبرر لأهل الصليب شركهم بالله، ويمسح عنهم قبيح صنيعهم بالمسلمين! . ولهذا نشطت هذه الدعوة بعد الحرب العالمية الأولى وبعد تقسيم بلدان العالم الإسلامي إلى مناطق نفوذ بين الحلفاء ، ونشطت هذه الدعوة بعد حرب الخليج الثانية ، وما بين ذلك ، ونراها تنشط هذه الأيام. وكأن في دين النصارى اليوم حقا يصلح الأخذ به ، بينما هو محرف جله ومنسوخ جميعه . بل وكأن حوار الأديان يعني الإجهاز على أهل الإسلام .

ثانيا: ومن الآثار المدمرة التي أورثها نزع فتيل العداء للكافرين:

تصديق أقوالهم واتباعهم في مواقفهم المعادية للمسلمين ، بحيث يصبح بعض المسلمين في خندق الكافرين محالفا لهم في مواجهة طائفة أخرى من المسلمين . وهذا من أخطر الآثار وأشدها فتكا في كيان الأمة . وهو ناشئ أيضا من ضعف البصيرة ورقة الدين ، وتقديم المصالح الخاصة على مصلحة الأمة العليا عند بعض المسلمين ، وقد وقع ذلك من قبل في الأندلس زمن ملوك الطوائف ، مما عجل بزوال ملكهم وأفول نجم الإسلام في تلك الربوع إلى يوم الناس هذا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت