أ. د. عماد الدين خليل 4/4/1427
تحت مسوّغ الدراسة العلمية مُرّرت أفكار فرويد الهدّامة للقيم والأخلاق والفضيلة والحب والوفاء وطاعة الوالدين، وغُرست مكانها مفاهيم كالصراع (الأوديبي) وعقدة (الكترا) ، وجنسية الرضاعة، والمرحلة الشرجية، والقضيبية .. الخ.
هل الواقعية ومطالب البحث العلمي تعني ضرورة التحلل القيمي والأخلاقي؟ أين مفهوم التكريم للإنسان، وأفضليته؟ ولو سلمنا جدلاً بصحة افتراضات دارون من الناحية العلمية، فإن نظرية فرويد تجعل الإنسان ـ على العكس ـ في حالة نكوص أبدي .. فكيف يكون الانتخاب الطبيعي في ظل مفاهيم أحادية التفسير للسلوك الإنساني؟ وهل أن تفسيرات فرويد خالية من البعد الأيديولوجي والسياسي؟
أسئلة ملحّة تفرض نفسها على الذهن ولنبدأ بآخرها .. إن فرويد هو -كمعظم المتفوقين في تاريخ الشعب اليهودي- رجل ملتزم، شئنا أم أبينا. ونتائجه في ميدان علم النفس لا تخلو من بعد أيديولوجي أو سياسي، على الأقل في جانبها السلبي الذي يتمحور عند"ضرورة التحلل القيمي والأخلاقي"وتغييب البعد الإنساني في الممارسات البشرية.
إن تحويل الإنسان إلى"كائن جنسي"لهي مسألة في غاية الخطورة؛ لأن إمكانات توظيفها واسعة جداً ولا حدود لها. وإذا لم يكن فرويد قد فعل عبر معرفته النفسية ومعطياته في مجال التحليل النفسي سوى أن منح هذه المقولة شرعيتها العلمية، فإنه قد صاغ أحد أشدّ الأسلحة حدّة ومضاءً لذبح الخصوم وتدمير بنيتهم.
مهما يكن من أمر فإن استنتاجات فرويد هي -كمثيلاتها في دوائر العلوم الإنسانية- مجرد احتمالات .. محاولات للمقاربة .. وليست بحال من الأحوال حقائق ومسلّمات نهائية .. ومن ثم فإنه ما إن مضى على الإعلان عنها سوى فترة محدودة من الزمن حتى تلقّت من علماء النفس الغربيين، بل من تلامذة وزملاء فرويد أنفسهم، من الطعون ما جعلها تنسحب قليلاً إلى الوراء لكي تخلّي الساحة لنظريات -وأشدّد على الكلمة- أكثر حداثة وإقناعاً.
إن إحدى مفارقات العلم الغربي في خلفياته الإنسانية .. ذلك التناقض الحادّ بين نظريتين مارستا دوراً خطيراً في تكييف الحياة الغربية عبر القرن الأخير بوجه الخصوص: الانتخاب الطبيعي لدارون، و (اللبيدو) الفرويدي أو (الأنا السفلى) التي تسحب الإنسان إلى دهاليز الشبق والملذة وتجعله"خائفاً"أبداً و"ناكصاً"إزاء كوابت (الأنا العليا) .
إننا قبالة تضاد على زاوية منفتحة مداها مائة وثمانون درجة ينفي أحد طرفيه الآخر .. فنحن إما أن نخضع لمنطق الانتخاب الطبيعي واصطفاء الأقوى، أو نسلّم بمنطق الهروب والنكوص قبالة تحديات الخبرة الدينية والاجتماعية.
فبأيهما نأخذ؟ وأيهما يمكن أن يكون"علماً"يقينياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
إن مطالب البحث العلمي -وحتى الواقعية في التعامل مع الظواهر والأشياء- لا تتطلب بالضرورة انفصالاً عن القيم، وانفكاكاً عن الالتزامات الأخلاقية، كما أنها لا تشترط إلغاء الثوابت المتفق عليها لإنسانية الإنسان.
إن هذا لا يناقض ذاك أو يتعارض معه، وإنما يمنحه أطراً واسعة مرنة قد تمنعه ـ من بعيد ـ من الانزلاق ـ باسم العلم ـ صوب الخرافات والضلالات. والذي حدث عبر القرنين الأخيرين، واحد من أكثر الانزلاقات في تاريخ الإنسان حدة وبشاعة .. حيناً تحت مظلة الداروينية، وحيناً تحت مظلة الفرويدية، وحيناً ثالثاً تحت مظلة الوجودية السارترية، وحيناً رابعاً تحت مظلة الماركسية.
وبمرور الوقت أخذت تتضح جملة من الأخطاء الحادة التي عادت بعد أن ذبحت أجيالاً بكاملها من الأوربيين وغير الأوربيين، لكي تذبح المنتمين إلى هذه النظرية أو تلك، وتدين صناّعها وأربابها. ومن عجب أن الأرباب أنفسهم تخلوا عن نظرياتهم ـ أحياناً ـ قبل أن ينسلّ منها الأتباع فيما يذكرنا بحواريات الشيطان وأتباعه في العديد من المقاطع القرآنية:
(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) . [ابراهيم: من الآية22]
الحديث يطول ولكني سأقف قليلاً عند بعض الحلقات.