فهرس الكتاب

الصفحة 8105 من 27364

ياسر الزعاترة / عمان 29/5/1426

معلوم أن عبد العزيز الحكيم هو شقيق محمد باقر الحكيم ووريثه في قيادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ذلك التنظيم الذي تأسس في إيران خلال الثمانينات وله سجله المعروف في التعاون مع الإيرانيين ضد العراق خلال الحرب بين البلدين، وفي الآونة الأخيرة قامت جهات في المخابرات العراقية بتسريب أشرطة مصورة لعدد من مسؤولي المجلس، من بينهم فاعلون في حكومة الجعفري، وهم يمارسون التحقيق والتعذيب بحق المعتقلين العراقيين لدى السلطات الإيرانية!!

في الأسبوع الماضي أصدر الحكيم بياناً وزع على الصحافيين على هامش حفل تأبيني أقيم إثر تفجيرات في مناطق متفرقة أودت بحياة عدد من الناس في الكرادة والشعلة، وفيه يقول"ندعو جميع العرب والمسلمين إلى الوقوف بمسؤولية وحزم مع أبناء الشعب العراقي وضد أولئك الذين يصدرون الإرهاب إلى العراق، وليعلموا أن نشوب الحرب الطائفية في العراق يعني إشعال الحرب في كل المنطقة".

ما يجب أن يقال هنا هو أن الشق الثاني من كلام الحكيم يبدو صحيحاً تماماً، إذ أن اشتعال الحرب الطائفية في العراق قد يشعلها في كل المنطقة، لكن ما يجري في العراق ليس كذلك في واقع الحال، والحكومة التي يشارك فيها الحكيم هي التي تهدد بإشعال تلك الحرب وليس الآخرين، وبالطبع من خلال ممارسة التطهير العرقي والعقوبات الجماعية بحق مناطق بأكملها هي من دون مواربة مناطق العرب السنة.

ما يجب أن يتذكره الحكيم هو أنه إذا كان الشيعة غالبية في العراق وبوسع من يزعمون النطق باسمهم في ضوء مساعدة الأمريكان، ومن ثم سيطرتهم على الجيش وأجهزة الأمن أن يفرضوا ما يشاؤون من عقوبات على العرب السنة، فإنهم يظلون أقلية في العالم العربي والإسلامي، مع أننا نؤمن بأن حكومة الجعفري والحكيم لا تمثل الشيعة حقيقة التمثيل، بدليل أن من بينهم رموزا وقوى وفعاليات معتبرة ترفض التمديد لقوات الاحتلال وتصر على رحيلها. ونشير هنا إلى"وثيقة الجلاء"التي وقعها 83 نائباً، معظمهم من النواب الشيعة في الجمعية الوطنية، إضافة إلى ممثلين عن التيار الصدري والمشاركين في المؤتمر التأسيسي لمقاومة الاحتلال الذي تتصدره هيئة علماء المسلمين وتشارك فيه قوى وفعاليات شيعية معروفة مثل التيار الخالصي والبغدادي، وتطالب الوثيقة برحيل الاحتلال عن العراق.

من المستغرب أن يرى الحكيم، كما جاء في ذات البيان المشار إليه، أن ما يجري في العراق هي حرب ضد"المدنيين الأبرياء من أتباع آل البيت"، ليس لأن في ذلك ما فيه من تحريض على الفتنة فحسب، بل أيضاً لأننا ورغم معارضتنا لأية عمليات يمكن أن تطال المدنيين الأبرياء، إلا أننا لا نرى أن توصيف الحكيم صحيحاً ، فلو أراد المسلحون قتل الآلاف بالسيارات المفخخة لما كان ذلك صعباً لأن التجمعات المدنية متاحة على الدوام، لكنهم يستهدفون قوات الأمن والحرس الوطني التي تداهم المناطق وتقتل الناس، تماماً كما يفعل المحتلون، وفي كل الأحوال فإن المسلحين لا يسألون رجال الأمن إياهم عما إذا كانوا من الشيعة أم من السنة.

الواقع أن ثمة رؤية سياسية خلف ما يجري، لا يقلل من قيمتها خلافنا أو اتفاقنا معها. خلاصة تلك الرؤية هي الحيلولة دون نجاح الحكومة التابعة للاحتلال وذات النفس الطائفي الواضح في بسط الأمن والسيطرة على البلد، ومن ثم منح الأمريكان قواعد عسكرية يتحكمون من خلالها بالبلد وسياساته المحورية، والنتيجة هنا هي إنجاح المشروع الأمريكي (مشروع الشرق الأوسط الكبير) ومنحه فرصة التمدد في المحيط العربي والإسلامي.

من يديرون المعركة في العراق ومن يدعمونها لا يستهدفون إبادة الشيعة، حتى لو انطوى خطاب الزرقاوي على قدر كبير من العدائية لهم، بل الهدف هو الحيلولة دون حكومة طائفية في العراق تحوّل العرب السنة إلى ضحايا المرحلة الجديدة - حسب فهم هؤلاء - وبالطبع ضمن روح ثأرية تحاسبهم على ذنوب صدام حسين. أما الهدف الثاني، وربما الأهم فهو الحيلولة دون نجاح المشروع الأمريكي في المنطقة ككل .

المعركة كبيرة لأنها تمس الأمة ودينها وهويتها، وفي العموم فإن المشروع الأمريكي لا يستهدف السنة فحسب، فإيران الشيعية مستهدفة وحزب الله الشيعي مستهدف أيضاً، فيما سوريا التي يراها البعض (علوية) ، توجد على رأس قائمة الاستهداف.

من هنا فإن التحذير من الحرب الطائفية ينبغي أن يتوجّه للجميع وخاصة بعض رموز السلطة الحالية ، ولو خرجت قوات الاحتلال من العراق اليوم وتم توافق وطني على وضع سياسي عادل في البلاد لما عمل الزرقاوي على إفشاله، ومن السذاجة أن يعتقد أحد أن دولة الخلافة الراشدة ستقوم في العراق المدجج بالانقسامات العرقية والمذهبية وفي ظل الوضع العربي والإقليمي وميزان القوى الدولي الراهن، لكن الجميع سيفخر بالتأكيد بأن يقال إن المجاهدين العرب قد ساهموا في إفشال واحدة من أشرس الهجمات على الأمة في تاريخها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت